عزومة 2

نُشر منذ يوم
حفظ
غلاف المقال

كل أمل في الصلح. شعرت بدمائي تغلي، ونظرت إلى خالد الذي أومأ لي بنظرة فهمت مغزاها فوراً. لم نعد نتحمل هذا القدر من التقليل. مسكت يد ياسين ورفعت رأسي بثبات وقيلت إحنا آسفين على العصير، وآسفين إننا دخلنا بيتك يا نجوى.

حقك علينا، والسجادة بكرة الصبح هيكون بدالها جديدة في بيتك، لكن كرامتنا وكرامة عيالنا أهم من أي فطار. انحنيت لأخذ حقيبتي من على الطاولة في الصالة، وبدأ أطفالي الآخرون بالبكاء من أثر التوتر السائد. حاول إسماعيل جاداً الإمساك بذراع خالد وهو يقول ونبرته تتوسل والله ما تحصل يا خالد!

عشان خاطري أنا، دي ساعة أذان، الشوارع واقفة، تأكلوا لقمتكم والأمر يقضى. رد خالد وهو يرفع يده محتضناً كتف إسماعيل بنبل عشان خاطرك أنت يا إسماعيل إحنا مش هنكبر الموضوع أكتر من كده، بس القعدة هنا أصبحت غير مريحة للطرفين.

مراتك مش قبلانا، وأنا عيالي مش هيعدوا دقيقة واحدة وهم حاسين إنه مرغوب عنهم أو إنهم سبب . الأذان بيأذن، روح افطر مع مراتك، وإحنا ربنا متكفل بينا. صوت أذان المغرب ارتفع في تلك اللحظة بالذات من المسجد المجاور، يتردد صداه بين جدران الشقة المكتومة بالتوتر الله أكبر.

. الله أكبر. كان صوتاً يبعث على السكينة، لكنه زاد من وطأة الحزن في قلوبنا. كنا نتطلع لإفطار رمضاني دافئ ينتهي بنا المطاف مطرودين بكبرياء شريف في لحظة الإفطار. خرجنا من الشقة، وصوت إسماعيل يرتفع بالنداء خلفنا على السلم وهو يحاول إقناعنا بالعودة، لكن خالد أغلق باب المصعد بصرامة، تاركاً شقيقه في مواجهة زوجته المتجهمة.

في السيارة، ساد صمت رهيب. لم ينطق أحد بكلمة. كانت الشوارع حولنا تخلو تدريجياً مع انطلاق الأذان، وأضواء الفوانيس المعلقة في حواري القاهرة تضيء الزجاج المظلم. تنفس ياسين الصعداء وهو يمسك بيدي ويقول بصوت خافت يا بابا، هو أنا كده زعلت ربنا عشان وقعت العصير؟

التفت خالد إلى الخلف ابتسامة دافئة رغم الحزن العميق في عينيه، وقال لا يا حبيبي، إنت ما عملتش حاجة بقصد، وربنا عارف إنك طفل بتلعب. بس لازم نتعلم نكون أهدى في بيوت الناس. فتحت حقيبتي، ووجدت فيها بضع تمرات كانت المتبقية من زحام اليوم، وزعتها على الأطفال وعلى خالد.

أفطرنا في السيارة على بضع تمرات وزجاجة ماء صغيرة من درج السيارة، في منتصف شارع جانبي بالقرب من منطقتنا. لم تكن هذه هي العزومة التي توقعناها، ولكن الهدوء الذي حل علينا بعد الخروج من ذلك البيت المسموم كان يسوى الدنيا بأسرها.

وصلنا منزلنا، وقمت فوراً بتجهيز ما تيسر من الطعام السريع للأطفال الذين كانوا يعانون من الجوع والتعب النفسي. بينما جلس خالد في الصالة يقلب في هاتفه بشرود. كان يعرف أن هذا الموقف لن يمر بسلام بينه وبين أخيه الكبير، فشقيقه إسماعيل، رغم طيبته، يعيش تحت سطوة نجوى منذ سنوات، وهذه Incident لم تكن الأولى، لكنها كانت الأشد قسوة.

بعد ساعات قليلة من الإفطار، وبينما كنت أقوم بتنظيف المطبخ، رن هاتف خالد. كان المتصل هو إسماعيل. تردد خالد في الرد لثوانٍ، ثم رفع السماعة وفتح مكبر الصوت لنسمع سوياً. جاء صوت إسماعيل مكسوراً، يخنقه الخجل يا خالد.. أنا مش عارف أقولك إيه.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
MK

Mahmoud Khaled ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
39مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

سر اختى روايات

سر اختى

اكتشفت إن أختي اللي لسه مكملتش 13 سنة حامل اكتشف إن أخته اللي مكملتش 13 سنة حامل! الشخص ال…

Mahmoud Khaled 0.0 8 دقائق
عريس متسول 1 روايات

عريس متسول 1

حكايات زهره 1 كل ما يجيلنا عريس طالب الجواز كان يتقدم لاختي الصغيره ، لحد ما الرجل اللي تح…

Mahmoud Khaled 0.0 9 دقائق
جوزى وعقدة وزنى روايات

جوزى وعقدة وزنى

38 سنة، وروحت للدكتور من ورا جوزي من غير ما أقوله... وأثناء ما الدكتورة بتكشف على بطني الك…

Mahmoud Khaled 0.0 14 دقائق