حكايات زهره 3 مرت الأيام والشهور، وكأن الحياة في القصر بقت مرسومة بهدوء وسلام بعد عواصف السنين الطويلة. أمي كانت قاعدة في البلكونة الكبيرة بتشرب الشاي وبتتفرج على الزرع، وصحتها اتحسنت كتير عن الأول وبقى وجهها منور بالراحة والطمأنينة.
أما أنا وحسن، فحبنا كان بيزيد كل يوم، وبقينا دايمًا مع بعض، سواء في إدارة أعمالنا أو في مشاريع الخير اللي فتحناها لخدمة الناس الغلابة والمحتاجين. بس الدنيا بطبيعتها دايمًا مخبية مفاجآت، ويوم جديد من أيامنا بدأ بمكالمة غير متوقعة هزت قلب البيت كله.
في صباح يوم هادئ، تليفون القصر رن، ورديت كالعادة لأفاجئ بصوت راجل غريب من قسم الشرطة القريب من منطقتنا القديمة. بيقول بصوت جاد: * “معانا مدام نبيلة الهواري؟” قلبي اتقبــ,,ـــــض، ورديت بصوت مرتعش: * “أنا هي.. خير يا فندم؟ حصل إيه؟
” الظابط كمل كلامه وقال: * “للأسف فيه دــ,,ـــــادثة حصلت لواحدة اسمها هدير، وكانت شايلة معاها أوراق تثبت إنها أختكِ، والعنوان القديم دلنا عليكم.. الحالة خطيرة جداً والمصابة في المستشفى العام، وبتطلب تشوفكم في أقرب وقت.” السماعة وقعت من إيدي من الصدمة والذهول، وحسن اللي كان واقف جنبي جري عليا وسندني بلهفة وقال: * “في إيه يا نبيلة؟
مين على التليفون؟” حكيت له الكلمتين اللي سمعتهم، ومن غير تردد، حسن نادى الحرس وجهز العربية بسرعة طار بيا على المستشفى. طول الطريق، كان قلبي بيدق بعنــ,,ـــــف، وكل شريط حياتنا القديمة بيعدي قدام عيني؛ هدير بغرورها، بكلامها الجارح، وبتريقتها عليا وعلى الشحاتين.
. وإزاي الدنيا دارت ودورت لحد ما رمتها في الطريق المظلــ,,ـــــم. وصلنا المستشفى، وطلعنا جري على غرفة العناية المركزة. لقينا الدكتور واقف بره، وبمجرد ما شافنا قرب وقال بأسف: * “البقاء لله.. الحالة وصلت متأخرة جداً، الإصابات والنزيف كانوا أقوى من إن جسمها يستحمل، وقبل ما تاخد نفسها الأخير، فضلت تكرر اسمك يا مدام نبيلة وتقول إنها عاوزة تطلب منك السماح.
” وقفت قدام باب الغرفة، ودموعي نزلت غصب عني. دخلت لوحدي وشوفت هدير نايمة على السر,,ـــــير الأبيض، الوش اللي كان ماليان غرور ومظاهر بقى باهت ومكسور، والملامح اللي كانت بتتفنن في جرح الناس بقت ساكنة تماماً.
قربت منها، مسكت إيديها الباردة، ولقيت شفايفها بتتحرك بصوت ميادوب مسموع، بتقول بصوت يقطع القلب: * “سامحيني يا نبيلة.. سامحي أختكِ.. الغرور عماني.. ودفعت الثمن غالي أوي.” نزلت دمعة على خدها الأخير، وراحت في سكرات المــ,,ـــــوت، وسابت الدنيا بكل ما فيها من صراع ومظاهر.
طلعت من الغرفة وانا منهارة، وحــ,,ـــــضنني حسن بكل قوته وقعد يطبطب عليا ويهدي فيا، وجهزنا كل إجراءات الدفــ,,ـــــن والعزاء بكل احترام، ودفــ,,ـــــناها جنب أبويا الله يرحمه. رجعت القصر وأنا حاسة بوجع كبير في قلبي، مش عشان خسرت مظاهر أو فلوس، لا.
. عشان كنت أتمنى إنها تتعلم الدرس وتعيش حياة كريمة من غير ما تضطر تدفع العمر كله ثمن لغرورها. أمي عيطت كتير لما عرفت الخبر، وقالت بصوت مكسور: * “ربنا يرحمها برحمته الواسعة.. هي أختكِ وفي الآخر دي قضاء ربنا.
” حــ,,ـــــضنت أمي وقعدنا ندعي لهم هم الاتنين بالمغفرة، وحسيت إن الدرس انتهى، وإن الحياة بتعلمنا إن القسوة والغرور مبيبنوش بيوت، وإن الأصل الطيب والقلب الصافي هما الباقيين وبس. مرت أسابيع طويلة على رحيل هدير، وكان الحزن لسه ساكن أركان البيت القديم وجزء من قلوبنا، لكن الحياة استمرت بسنّتها وقوانينها.
أمي بدأت تستعيد هدوءها وبقت تقضي وقتها في قراءة القرآن والدعاء للمتوفيين، وحسن كان دايماً سند ليا، بيحيطني باهتمامه وحبه عشان يخرجني من أي أثر حزين سابه الموقف ده. مشروعي في تصميم الأزياء بقى ليه اسم كبير وموثوق فيه في السوق، وبدل ما كنت بشتغل لوحدي في مشغل ضيق، بقى عندي دار أزياء راقية بيشتغل فيها ناس كتير، والجزء الأكبر من أرباحها كنا بنخصصه لأعمال الخير، لمساعدة البنات اليتامى والستات الغلابة اللي محتاجين سند في الدنيا، تخليداً لذكرى أبويا وتواضعاً لنعم ربنا علينا.
في يوم، وأنا في دار الأزياء براجع أحدث الكولكشنز، دخلت عليّ السكرتارية وقالت باهتمام: * “يا مدام نبيلة، فيه ست محترمة قاعدة بره ومصرّة تقابلك، وبتقول إنها تعرفك كويس أوي من أيام زمان، من قبل القصر ومن قبل كل النجاح ده.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.