أمي بقت عايشة معانا في القصر، وحسن كان بيعاملها كأنها أمه الحقيقية، بيوفر لها كل راحة ورعاية، وبيخلي دايماً ابتسامتها ما تفارقش وشها عشان ينسيها تعب سنين الفقر والشقاء. أنا نفسي.. رجعت لحياتي هوايتي البسيطة، بس بدل ما كنت قاعدة على ماكينة خياطة قديمة في مشغل ضيق بصلح هدوم الناس بالقطعة، حسن جهز لي في القصر أورش فخم خاص بيا، أجمل وأحدث الماكينات والتصميمات، وبقيت أصمم أزياء راقية جداً وباسم خاص بيا، وكمان بدأت أساهم مع حسن في أعمال الخير ومساعدة كل الغلابة والمحتاجين اللي بيمروا باللي كنا بنمر بيه زمان.
لكن الدنيا مبتقفش عند حد، والقدر دايماً بيكتب نهايات لكل ظالم.. في يوم وأنا قاعدة في جنينة القصر الكبيرة مع أمي بنشرب الشاي في جو هادئ، سمعنا صوت حرس البوابة بيستأذنوا وواضح إن فيه مشكلة بره.
حسن نزل وشاف في إيه، وبعد دقايق رجع لي وهو ماسك في إيده واحدة شكلها متهالك جداً، هدومها ممزقة ووشها باين عليه التعب والإرهاق، وعنيها تايهة ومش قادرة ترفعها في وشنا. لما قربت أكتر وبصيت في وشها.. اتجمدت مكاني! دي مش حد غريب.
. دي هدير! أختي اللي كانت يوم من الأيام ماشية بغرور وشايفة نفسها على الكل، اللي كانت بتتريق عليا عشان بورت في البيت وكانت بتعايرني بالشحاتين والمظاهر.. بقت هي نفسها قاعدة على باب القصر بتمد إيدها وتطلب الصدقة والأكل من الحرس والخدم!
أول ما شافتنيم رمَت نفسها على الأرض من كتر العياط والنحيب، وساقت برجليها وهي بتصرخ بصوت مقطوع: “نبيلة! أختي! ابوس إيدك سامحيني! والله العظيم أنا ندمت.. الشاب اللي هربت معه ضحك عليا، سرق فلوس الدهب وسابني في الشارع للغربة والذل.
. بقيت لوحدي.. ماليش حد في الدنيا غيركم.. ابوس إيدك ادخليني القصر حتى لو خدامة.. مش قادرة أعيش في الشارع!” أمي دمعت عينيها وقلبها الحنين وجعها عليها، وبصتلي بنظرة كلها رجاء وتوسل، كأنها بتقولي دي أختكِ من دمك ولحمك.
قربت من هدير بخطوات هادئة وثابتة، بصيت لها وهي مرمية في التراب، وقلت بصوت هادئ ومن غير أي الشماتة: “يا هدير.. الفلوس والمظاهر بتروح وتيجي، والجمال بيزول، بس النخوة والأصل والقلب الطيب هما اللي بيبقوا..
أنتي اخترتِ طريق الغرور والقسوة، وضحكتِ عليّ يوم ما كنت مكسورة، وبعتِ أبوكي وهو على فراش المــ,,ـــــوت عشان قرشين.. جزاء اللي عملتيه جه لحد عندك.” هدير صرخت بانهيار وقالت: “خلاص يا نبيلة.. تبت! والله تبت!” كملت كلامي بهدوء: “أنا مش هرميكي في الشارع ومش هقطع صلة الرحم.
. حسن، أمر بأنها تاخد غرفة في البيت القديم بتاعنا، ويتبعت لها أكل وشرب ومصروف شهري تكفيها وتسترها.. بس قصر هنا.. مكانها مش موجود، ولا لقلبي طاقة أتحمل أشوف قدامي واحدة دمرت كل اللي حواليها لأنها تفرغت لنفسها.
” هدير فضلت تعيط وتصرخ وهي مجرورة بره القصر، وأنا دخلت وقعدت جنب أمي اللي طبطبت على كتافي وقالت لي بصوت دافئ: “عملتي الأصل يا بنتي.. ربنا يبارك لك في جوزك وبيتك، واللي زرع شقاوة يحصد دمعة.
” حــ,,ـــــضنت أمي، وحسيت أخيراً إن العدالة الإلهية أخذت مجراها، وإن الصبر، والرضا، والستر هما أقوى سلاح ممكن الإنسان يعيش بيه في الدنيا دي. مرت سنة كمان، وهدير كانت قاعدة في البيت القديم لوحدها، بتاخد مصاريفها ومأكلها من غير ما تتعرض للجوع، بس القسوة اللي زرعتها في قلوب الناس رجعت تضوي في وشها كل يوم وهي قاعدة لوحدها بين الحيطان اللي هجرتها زمان.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.