وسط زحمة الافتتاح، وفي لحظة هدوء نسبية، لقيت عربية فارهة سوداء وقفت قدام باب المستشفى، ونزل منها شخص عمرنا ما توقعنا نشوفه تاني: شريف الشهاوي. شكله كان متغير كتير، ملامحه مهزومة، وشعره شاب منه جزء كبير بعد الخسائر الفادحة اللي تعرضت لها إمبراطورية عيلتهم.
وقف قدام الباب وبص لمريم اللي كانت واقفة جوه بتكشف على طفل صغير. مريم خرجت على صوت الهمسات، ووقفت قدام باب العيادة بكل ثبات، وبصت له بهدوء وقالت بصوت واثق: — أهلاً يا بشمهندس شريف.. خير؟ جاي تراجع أوراق التسوية ولا عندك استفسار قانوني جديد؟
شريف بلع ريقه بصعوبة، ونزل عينيه للأرض قبل ما يبص لها بنظرة مكسورة وقال: — جاي أقولك كلمة واحدة يا دكتورة مريم.. أمي.. نادية هانم.. في العناية المركزة. صحتها انهارت تمامًا بعد الحكم النهائي على آدم، ومنتظرة النهاية.
وقبل ما تفارق الحياة، طلبت مني طلب واحد.. إنها تشوف حفيدتها فاطمة ولو لثانية واحدة، وإنها.. وإنها تطلب منك الصفح. القاعة حوالينا سكتت تمامًا. الكل كان مترقب رد فعل مريم. العزة والكرامة اللي شافت منهم الظلم والاهانة، والوجع اللي حفر في قلبها وفي قلبي سنين طويلة، كانوا محطوطين على كفة مطروحة قدامها.
مريم فضلت ساكتة دقايق طويلة، بصت خلالها من شباك المستشفى على المرضى الغلابة اللي قاعدين بره بيستنوا العلاج، وبصت ليا وأنا واقفة بتابعها بصمت، وبعدين رجعت ببصرها لشريف وقالت بصوت هادئ وقاطع كالماس: — أنا مش قاضية يا بشمهندس شريف، وعمري ما كنت إنسانة قاسية تفرح في وجع حد، ومهما عملت والدتك، فاطمة ملهاش ذنب تشيل كره الكبار.
قول لها.. إن بنت ابنها مصانة وبتكبر في عز وكرامة، وإني سامحتها لوجه الله.. بس لو مفكرة إن زيارة ولا كلمتين هيقدروا يمحوا القهر اللي شافته أمي وأنا.. فهي رايحة للي أحسن منا كلنا يحاسبها.
شريف دمعت عيونه، وانحنى براسه باحترام لأول مرة في حياته، وركب عربيته ومشي بهدوء من غير ما ينطق بحرف تاني. في المساء، رجعنا البيت أنا ومريم وفاطمة. البيت اللي كان زمان بيجمعنا على قلق وخوف بكرة، بقى دلوقتي واحة أمان وسعادة لا توصف.
قعدت على كرسيّ المفضل، ومريم حطت راسها في حضني زي زمان وهي بتقولي: — تعبتي معايا كتير يا ست الكل.. مرتاحة دلوقتي ولا لسه؟ مسحت على شعرها بحنان وقلب مليان رضا، وقلت لها: — أنا ملكة يا بنتي.. ملكة بعزك، وبشـ,ـرفك، وبقلبك اللي أنقذ ناس كتير.. ربنا يديمك ليا يا دكتورة قلبي.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.