. بس قلبي كان واقف من الخوف عليكي. مريم رفعت راسها وقالت بصوت دافئ: — متخافيش يا ماما.. طول ما إنتِ ضهرك ليا، ودعواتك دي معايا، أنا أقدر أواجه العالم كله. الفلوس بتشتري حاجات كتير يا ماما، بس عمرها ما تقدر تشتري الشرف، ولا العلم، ولا قلب أم ربتني بلقمة حلال.
وبعد مرور أسابيع، بدأت مريم مرحلة الامتياز في أكبر مستشفيات الجامعة، وتلقت عروض من كبرى المراكز الطبية العالمية اللي سمعت بقصتها وشجاعتها. أما عائلة الشهاوي، فاضطرت للدخول في تسوية قانونية كاملة مع مريم، تنازلت فيها عن جزء كبير من حصة آدم لصالح الطفلة فاطمة، وتم توثيق كل حقوقها بالكامل تحت إشراف القضاء، علشان تضمن فاطمة مستقبلها.
وأنا؟ أنا بطلت شغل في المستشفيات أخيرًا، بس مش لأني عاجزة، بل لأن بنتي العظيمة وفت بوعدها.. وقعدتني في البيت “ملكة”، زي ما قالت وهي لسه طفلة صغيرة بتشاهد رسومات التشريح على ترابيزتنا البسيطة. الجزء الرابع بعد مرور سنتين كاملين على يوم الحفل الصاخب ده، كانت الحياة في بيتنا قد اتغيرت تمامًا، لكن جوهرنا وبساطتنا فضلوا زي ما هما.
فاطمة، حفيدتي الغالية، كبرت وبقت تنور البيت بضحكتها، وكانت كلما تنطق بكلمة جديدة، تملى قلبي بالرضا والسعادة. مريم خلصت سنة الامتياز بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وتعيّنت فورًا معيدة في قسم جراحة الأطفال بكلية طب جامعة القاهرة، الحلم اللي ضحت عشانه بعمرها وسهرت لياليه.
التسوية القانونية مع عائلة الشهاوي تمت تحت إشراف قاضي التحقيق وبناءً على شروط مريم الصارمة. لمريم وفاطمة تم تخصيص صندوق ائتماني ضخم يضمن للطفلة كل حقوقها المالية ومستقبلها التعليمي والصحي، بعيدًا عن أي تحكم أو طعن من عيلة الشهاوي اللي فقدت هيبتها وسيطرتها في السوق الطبي.
أما آدم، فكان يقضي عقوبته داخل السجن بعد ما أدلته المحكمة بتهم التزوير وإهدار أموال الشركة، ورفضت محاكم الاستئناف كل طهوك ومحاولات أهله لتقليل العقوبة. لكن القصة الحقيقية مكنتش في الفلوس ولا في الأسهم اللي اتكتبت باسم فاطمة، القصة كانت في اللحظة اللي دخلت فيها مريم البيت وهي شايلة ملف ضخم في إيديها وابتسامة واسعة شاقة وشها.
قعدت جنبي على الكنبة، ومدت الملف وقالت بصوت متهدج من الفرحة: — ماما.. تعبتي معايا سنين طويلة، وكنتِ بتقوليلي دايماً إن نفسك تشوفي حلمك وحلمي بيتحقق على أرض الواقع. اقري الورقة دي.. دي رخصة أول مركز طبي مجاني لخدمة الأهالي غير القادرين والأطفال المرضى، وتحت إشرافي المباشر وبتمويل كامل من الصندوق الخاص ببنتا فاطمة وبالشراكة مع أساتذة الجامعة الأحرار!
دموعي نزلت من عيني بغزارة وأنا بقلب الورقة، وبقرا اسم المركز: “مستشفى الأمل الخيري – د. مريم وشامتها”. حسيت إن كل عرق وكل قطرة عرق نزلت مني على أرض المستشفيات السابقة، ربنا حولها لنور يداوي بيه قلوب الغلابة اللي شبهنا.
يوم افتتاح المركز كان يوم تاريخي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. الطوابير كانت مترصة من بدري قدام الباب، ناس جاية تبارك، وناس تعبانة لاقية اللي يسمعها ويدويها من غير ما تدفع مليم واحد. وأنا كنت واقفة بعبايتي النظيف البسيطة على باب المركز، بستقبل الضيوف والناس البسيطة بابتسامة، وكل ما حد يقول لي “مبروك يا أم الدكتورة”، كنت برد وقلبي بينبض بالفخر: “البركة في علمها وأخلاقها ودعوات الناس الطيبة”.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.