في اللحظة دي، مكنش فيه عتاب، ولا صراخ، ولا أي كلام من اللي كنت مجهزه في سنينا الطويلة اللي فاتت.. لقيتها بتبص لي بدموع حارة، ورفعت ايدها النحيلة المرتعشة، مسكت طرف كمّ هدومي، وقالت بصوت مجروح ومتقطع يقطع القلب: “حقك عليا.
. سامحني.. أنا السبب.. أنا اللي ضيعت بنتنا الأولى، وضعت أنا كمان بعدها.. بس والله العظيم ما كنت في وعيي.. المرض أكل عقلي وقلبي!” سألتها بصوت خالع من روحي، وقلبي بينبض بجنون: “ايه اللي حصل يا دنيا؟ فهميني.. أمي قالتلي إنك سيبتي بنتنا حنين لوحدها في البيت وخرجتي فخبطتها العربية.
. ليه عملتي كده؟ وازاي وازاي وصلتي للحال ده؟!” دموعها نزلت بغزارة وهي بتعصر ايدي، وقالت الكلام اللي هدم آخر حتة متماسك فيها: “يا ريتني كنت أنا اللي مــ,,ـــــوت.. يوم ما سافرت، أهلك مبقاوش مهتمين بينا زي ما كنت بتقول.. أمك كانت دايما تلومني وتقولي أنتِ السبب في سفره وتبعدنا.
. وفي يوم كنت تعبانة جداً ودايخة من السخونية، نزلت أجب أدوية من الصيدلية اللي تحت البيت، ومغبتش غير عشر دقايق بالظبط! عشر دقايق يا (سامح).. رجعت لقيت الشارع كله مقلوب.. لقيت بنتي مرمية على الاسفلت والعربية خبطتها.
. ومن ساعتها، عقلي انفصل عن الدنيا!” كملت وهي بتصرخ بصوت مكتوم: “أنا مطفشتش عشان خايفة من غضبك وبس.. أنا هربت لأن جنون العظمة وتأنيب الضمير أكلوني، بقيت أشوف وش بنتي في كل حيطة، وأسمع صوتها بيناديني.. أهلك بدل ما يحتضنوني ويقفوا جنبي، اتهموني بالإهمال وطردوني..
فضلت تايهة في الشارع، لا معايا فلوس ولا مكان أروح فيه، وكنت بكلم نفسي زي المجانين لحد ما وقعت في إيد ناس استغلوني، وتعبت نفسياً لحد ما دخلت المستشفى النفسية.. وطلعت منها تايهة ومش عارفة أنا مين، لحد ما ربنا رزقني بـ (حنين التانية) وسميتها على اسم بنتنا عشان أحس إنها رجعتلي حــ,,ـــــضني من تاني.
. بس الجسم والعقل كانوا خلاص انتهوا!” قعدت جنب السر,,ـــــير ومش قادرة ألمالك نفسي، حطيت راسي بين إيديا وعيطت بحــ,,ـــــرقة زي الأطفال. كل الغضب اللي كان جوايا خلال الثلاث سنين اللي فاتوا اتحول لشفقة ووجع وكسرة قلب ملهاش أول ولا آخر.
طلعت حق مظلومة، وأمي وأهلي خبوا عليّ الحقيقة خوفاً من المشاكل، ومراتي راحت في داهية وهي بريئة من الاتهامات اللي اتصورهولي! وفجأة… واحنا في عز الاندماج وانهيارنا، فتح باب الأوضة ودخلت ممرضة ومعاها ملف المريضة، وبصت لي وقالت بصوت جاد: “يا استاذ سامح.
. البوليس بره ومستنيك، لأننا بلغنا عن الحالة، والمستشفى لقت في أوراق المريضة التابعين للنيابة إنها متبلغ عن اختفائها من ثلاث سنين وإن عليها قضايا ومحاضر قديمة من أهلك.. لازم تخرج تفهمهم الوضع إيه بالظبط!” الصاعقة نزلت عليّ للمرة التانية… أهلي مش بس كذبوا عليا في سبب الوفــ,,ـــــاه، دول كمان حرروا محاضر ضد مراتي وهي مريضة وتاهت في الشارع!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.