خرجت مريم من الغرفة، ووقفت جنبي في الممر، وهي بتاخد نفس طويل، كأنها بتنفض من على كتافها سنين طويلة من الوجع والذكريات المرة. وبصت لي وقالت بصوت دافئ: — خلصت الحكاية يا ماما.. أو بمعنى صح، الجزء الصعب منها انتهى للأبد، وبقينا نقدر نكمل حياتنا من غير أي ظلال قديمة تضايقنا.
ابتسمت لها، وحضنت إيديها بإيدي الخشنة اللي شافت تعب السنين وقلت لها: — طول ما إحنا مع بعض، وبقلوب نظيفة، هنفضل دايماً في النور يا دكتورة قلبي. الجزء الأخير بعد مرور شهر كامل على حادثة آدم، كانت الأمور في مستشفى الأمل الخيري قد رجعت لطبيعتها، لكن صفحة آدم الشهاوي في حياتنا كانت قد طويت إلى الأبد بدون أي رجعة.
آدم خرج من المستشفى بعد ما استرد جزءاً كبيراً من صحته، لكنه اختفى تماماً من حياتنا، وسافر لبلد تاني يبدأ فيها من الصفر، بعد ما باع آخر ما يملكه لتسوية ديونه الكثيرة، وطلب من مريم في رسالة قصيرة أخيرة إنها تسامحه وإن يسامحه الزمن على كل اللي ارتكبه في حقنا.
أما احنا، فكنا بنعيش أحلى أيام حياتنا. البيت الصغير اللي كان مليان قلق وضيق زمان، بقى مليان بركة وسعادة وفرح لا ينقطع. في يوم جمعة مشمس وهادي، كنت قاعدة في جنينة مستشفى الأمل، شاربة كوباية الشاي بتاعتي، وبتفرج على الأطفال الغلابة وهم بيلعبوا في ساحة المستشفى ومبسوطين بالخدمات والعلاج المجاني اللي بيقدمه المكان.
قربت مني مريم، وهي ماسكة إيد بنتها فاطمة اللي كبرت وبقت شطورة وجميلة، ولابسة هدوم مرتبة وانيقة، وفي إيدها كتاب علوم صغير بتقلب صفحاته بكل شغف. مريم قعدت جنبي على الدكة الخشبية، وحطت راسها على كتفي وقالت بصوت هادئ ومطمئن: — ماما..
النهاردة مرّت سنين طويلة من التعب والشقى، ومن اللحظة اللي وقفتِ فيها لوحدك تمسحي أرض المستشفيات لحد ما بقيتي قاعدة هنا ملكة مكرمة.. حاسّة بايه النهاردة؟ بصيت لعيون مريم اللي كانت بتلمع بالنجاح والحب، وبصيت لحفيدتي فاطمة وهي بتضحك بصوت عالي، وبعدين بصيت لإيديا الخشنة اللي شافت المرار والشقاء، لكنها في نفس الوقت زرعت أجمل وردة في الدنيا.
. وابتسمت بدموع الفرح وقلت: — حاسة إن ربنا كريم قوي يا بنتي.. وعمره ما بيضيع تعب حد، ولا بينسى دمعة أم صابرة. أنا لا خسرت ولا تعبي راح هدر، أنا كسبت الدنيا كلها فيكي وفي ضحكة بنتك.
الفلوس بتروح وتيجي يا مريم، والجاه بيزول، لكن الكرامة والعلم والعطاء هما الحاجات الوحيدة اللي بتفضل باقية للدنيا. مريم حضنتني جامد، وفاطمة جرت نطت في حضننا إحنا الاتنين وهي بتقول: — وأنا بحبكم أنتوا الاتنين أكتر ناس في الدنيا، ولما أكبر هبقى دكتورة عظيمة زيك يا ماما، وزي تيتا اللي ربتنا وعلمتنا معنى الصبر!
ضحكنا كلنا بصوت عالي، وضـ,ـربت ضحكاتنا جدران المستشفى اللي بقت سكن لكل مكسور، وحصن لكل محتاج. انتهت حكايتنا القديمة بحلوها ومرها، وبدأت حكاية جديدة عنوانها النور، والكرامة، والوفاء.. حكاية عاملة النظافة اللي بقت أسطورة، وبنتها اللي روت أرض الشرف بدموعها فعاشت بين الناس “ملكة”.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.