” أول ما حست بإيد أبوها وبصوته، جسمها كله اتخشب، وبصت له بعيون مبرقة كلها رعب وضياع، وفجأة… راحت في غيبوبة وإيديها سابت ووقعت بين إيدينا فاقدة الوعي تماماً! شالها جلال بسرعة زي الريشة ونزلنا بيها على الشقة، حطيناها على سريرها وأنا بنهار من العياط.
جلال كان بيجري يجيب مية وبصل عشان يفوقها، وأنا بمسح التراب الأحمر والوساخة من على وشها وإيديها ودموعي بتغسل ملامحها الشاحبة. البنت كانت خاسة النص، وشها مجهد وهالات سودا مرعبة تحت عينيها… إزاي الغفلة والعمى خلوني مش شايفة بنتي بتتدمر بالشكل ده؟
! بعد ربع ساعة من الرعب، فتحت حبيبة عينيها ببطء، وبدأت تتلفت حواليها برعب، ولما شافتني أنا وجلال ماسكين إيديها وقاعدين جنبها بنعيط، انهارت في نوبة بكاء مريرة وارتمت في صدرنا إحنا الاتنين: ”أنا آسفة يا ماما… أنا آسفة يا بابا… أنا مكنتش عايزة أعمل حاجة وحشة، أنا كنت عايزانا نرجع زي زمان!
” قعدنا نطبطب عليها ونهديها لحد ما شربت شوية مية دافية وبدأت تتكلم… والحكاية اللي حكتها كانت أكبر درس وعلقة في حياتنا كلنا. قالت حبيبة وصوتها بيتقطع: ”من يوم ما بابا ساب البيت ومشيت، وأنا حاسة إن حياتي ادمرت… كل يوم خناق وزعيق وماما بتعيط طول الليل، وبابا مش بيسأل ولا بيرد عليا… وفي نفس الوقت امتحانات الثانوية العامة قربت، والدروس والضغط، ومبقتش عارفة أركز في كلمة واحدة… حسيت إني لوحدي والدنيا كلها اتقفلت في وشي.
وفي يوم وأنا بقلب على النت ودموعي مغرقة عيني، لقيت صفحة اسمها ‘فك الكروب ولم الشمل’… دخلت كلمت الأدمن وقولتله أنا عايزة بابا يرجع وماما تبطل عياط، والبيت يرجع زي الأول عشان أقدر أعيش وأذاكر.
الراجل ده استغل خوفي وسني الصغير… قالي إن معمولنا ‘عمل سفلي’ للتفرقة، وإن بابا لو مرجعش خلال شهر هيجراله حادثة وماما هتتشل! قالي لازم أعمل طقوس فوق السطوح بعيد عن العيون، وبعتلي تراب أحمر قالي إنه تراب من مكان مبروك ومخلوط بمسك أحمر وبخور مخصوص، وكان بيخليني آخد مصروفي وفلوس الدروس اللي بتدوهالي أبعتهاله على محافظ إلكترونية بحجة إنه بيشتري طلبات لفك السحر!
ولما الفلوس خلصت مني، قالي خدي بقايا أكل من البيت عشان يقدمها قربان، وكان مهددني إني لو اتكلمت أو حكيت لماما، التعويذة هتتقلب وبابا هيموت في نفس الليلة!” كل كلمة كانت بتنزل زي الخنجر في قلبي وفي قلب جلال.
بصينا لبعض وإحنا حاسين بالخزي والندم… الخناقات التافهة والكرامة والعناد بيني وبينه، عمتنا عن بنتنا الوحيدة، ورميناها فريسة في إيد دجال ومبتز نصاب يلعب بعقلها ويدمر نفسيتها وهي في أخطر مرحلة في حياتها! جلال مسك راسها وباسها ميت مرة وهو بيبكي بحرقة: ”حقك عليا يا بنتي… أنا السبب، أنا اللي كنت أناني وسبتكم ومفكرتش في وجعك… أنا آسف يا حبيبة قلبي، مش هسيبك تاني أبداً، ومش هسمح لأي حاجة تفرقنا تاني.
” وأنا بكل ما فيا: ”سامحينا يا حبيبتي… العيب مش فيكي، العيب فينا إحنا اللي قفلنا ودانا عن وجعك.” في نفس الليلة، جلال مسك تليفون حبيبة، ولقى رسايل التهديد والابتزاز لسه شغالة من النصاب ده وهو بيطلب فلوس تانية.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.