حكايات زهرة 3

نُشر منذ يومين
حفظ
غلاف المقال

” نزلت على ركبي قدام العربية، وبست إيدها قدام كل الناس، وقلت بصوت حاسم يملؤه اليقين: “إحنا دفــ,,ـــــنا الماضي يا دنيا، وبنتنا حنين اللي راحت في جنة الخلد عند ربنا، وربنا عوضنا بـ ‘حنين التانية’ وببعضنا..

هنرجع بيتنا، وهنبدأ حياة جديدة من أول وسطر جديد، ومحدش في الدنيا دي كلها يقدر يفرقنا تاني أبداً!” خرجنا من مبنى النيابة وأنا حاسس إن جبال الدنيا كلها اتشالت من على كتفي، ركبت العربية ومعايا “دنيا” و”حنين الصغيرة”، وتحركنا في سكتنا للبيت القديم.

. البيت اللي مكنتش متخيل في يوم إن أبوابه هترجع تفتح تاني بالشكل ده. طول الطريق، الكل كان ساكت، بس السكتة المرة دي مكنتش سكتة خوف ولا وجع، دي كانت سكتة هدوء ما بعد العاصفة، كأننا بنلم شتات روحنا اللي ضاعت في السنين اللي فاتت.

وصلنا قدام البيت، نزلت وفتحت الباب، ودخلت “دنيا” وهي سندة عليا بخطوات بطيئة، عينيها بتلف في أركان الصالة كأنها بتستوعب إنها أخيراً رجعت لمكانها الطبيعي. الطفلة “حنين” جرت في البيت بطفولة وبرائة وكأنها بتستكشف بيتها الجديد، وقفت في نص الصالة بصت لنا وقالت بفرحة طفولية: “هو ده بيتنا يا ماما؟

مش هنمشي تاني في الشارع بالليل؟” كلمات البنت نزلت زي السهم في قلب “دنيا”، ماقدرتش تتمالك نفسها، فوقعت على ركبتها على الأرض وبكت بحــ,,ـــــرقة، نزلت جنبها وحــ,,ـــــضنتها جامد، وطبطبت على ضهرها وأنا بقول بصوت دافئ ومطمئن: “خلاص يا حبيبتي..

مفيش شحططة تاني، مفيش خوف تاني، البيت ده ليكم، ومحدش هيقدر يقرب مننا طول ما أنا عايش”. عدت الأيام الأولى صعبة وثقيلة، “دنيا” كانت محتاجة رعاية طبية ونفسية مكثفة عشان ترجع لطبيعتها وتتجاوز الآثار المرعبة للسنوات اللي فاتت، وأنا كنت قاعد جنبها في كل لحظة، بعوضها عن كل دقيقة عذاب وقهر عاشتها لوحدها.

أما عن أهلي، فبعد تدخل الأكابر والأقارب وبعد تحقيقات النيابة، خرجوا بقرار حفظ بعد ما تنازلت عن استكمال الدعاوى القضائية ضدهم، لأن مهما حصل دول أهلي، ومراتي رجعتلي بالسلامة وده كان أكبر مكسب ليا، بس اشترطت إنهم ميقربوش من بيتنا تاني لحد ما المياه ترجع لمجاريها وتتعافى “دنيا” تماماً.

بدأت أدور على شغل جديد هنا في مصر، وقررت إني مش هسافر تاني أبداً ولا هسيب بيتي ومراتي وبنتي لوحدهم مهما كانت المغريات، الفلوس تروح وتيجي، لكن راحة البال والعيلة هما أغلى حاجة يملكها الإنسان في الدنيا.

بقيت أصحى الصبح أشرب الشاي مع “دنيا”، وأوصل “حنين” الحضانة بتاعتها، وأرجع ألاقي مراتي بتستقبلني بابتسامة حقيقية ولأول مرة من سنين طويلة أشلم لمعة الأمل في عينيها. في يوم، واحنا قاعدين بالليل في الصالة، وبنحتفل بعيد ميلاد “حنين” الخامس، جابت التورتة وحطت الشموع، وبصت لي نظرة مليانة حب وامتنان، وقالت بصوت هادئ وجميل: “تفتكر يا سامح.

. حنين بنتنا القديمة سامحنا على اللي حصل؟” ابتسمت ودمعة حارة نزلت على خدري، ومديت ايدي مسكت ايدها وقلت بثبات ويقين: “بنتنا حنين في مكان أحسن بكتير من الدنيا دي.. وهي فرحانة بينا دلوقتي وإحنا متجمعين، وسبت لنا ملاك تاني يحرس بيتنا ويملأه ضحك وبهجة.

. احنا بدأنا صفحة جديدة يا دنيا، والحمد لله إن ربنا رجع لي عقلي وبيتي ومراتي وبنتي”. حــ,,ـــــضنتني بقوة، و”حنين الصغيرة” قعدت تصفق وتضحك وهي بتقول: “يلا يا بابا.. نطفي الشموع عشان ناكل التورتة!”.. ضحكنا من قلبنا، وحسيت ساعتها إن الظلــ,,ـــــمة الطويلة اللي عيشناها انتهت، وإن شمس بكرة هطلع منورة ودافية على بيتنا الصغير.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
MK

Mahmoud Khaled ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
138مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

عم بنتى 2 روايات

عم بنتى 2

الجزء الأخير من حكاية عمي وبنتي… السر اللي محدش كان يتخيله! 😱💔 لما بنتي فتحت الظرف …

Mahmoud Khaled 0.0 5 دقائق
عملية تجميل 1 روايات

عملية تجميل 1

رحت المستشفى أصغّر صدري لقيت الدكتور اللي هيعمل لي العملية طليقي!إنتِ اتجوزتي قبل كده؟ عند…

Mahmoud Khaled 0.0 3 دقائق
مرات ابنى روايات

مرات ابنى

ابني متجوز بقاله ٧ شهور ولسه مدخلش على مراته ، ولما حماته عرفت عملت مشكله كبيره جدا، ولاني…

Mahmoud Khaled 0.0 10 دقائق