عملت الواجب؟ اتنهدت. — أيوه يا أمي، عملته. ورجعت أبص في الموبايل. لكنها فضلت ماسكة جيبها طول العشا، كأنها خايفة حد ياخد منها الرغيف. تاني يوم حصلت حاجة غريبة. كنت راجع من الشركة بدري على غير العادة.
ولما وصلت الفيلا، لقيت مدبرة البيت واقفة عند البوابة، وبتنادي عليّا. — يا بيه! الحمد لله إن حضرتك جيت! تعالى شوف اللي بيحصل! نزلت من العربية، ولقيت الشغالة واقفة تاني، ومعاها نفس الشنطة. لكن المرة دي كانت مليانة عيش أكتر من امبارح. مدبرة البيت قالت بشماتة: — شوفت؟!
قولتلها امبارح ممنوع، وبرضه مصممة تاخد العيش! بصيت للشغالة بغضب. — هو إنتِ بتتحديني؟ لكنها المرة دي مردتش بخوف. حطت الشنطة على الأرض، وطلعت من جيبها ورقتين صغيرين. ومدتهم ليا. — دول إيصالات الشراء يا بيه. مسكت الورقتين. كانوا من مخبز قريب. واحد بتاريخ امبارح، والتاني بتاريخ النهارده.
والمبلغ المكتوب في كل إيصال مش قليل بالنسبة لمرتبها. سألتها: — إنتِ اشتريتي كل العيش ده من فلوسك؟ هزت راسها. — أيوه يا بيه. — وليه؟ سكتت. قلت بحدة: — أنا بسألك، بتشتري كل الكمية دي ليه؟ قالت: — علشان فيه ناس مستنياها.
— ناس مين؟ بصت للأرض. — ناس وعدتهم إن العيش هيوصلهم كل يوم. مدبرة البيت اتدخلت: — يعني إيه ناس مستنياها؟! دي أكيد بتعمل حاجة من ورانا! وفجأة السواق، اللي كان واقف جنب العربية، قال: — ما دام العيش من فلوسها، يبقى من حقها تعمل بيه اللي هي عايزاه.
بصيتله بحدة. — محدش طلب رأيك! سكت فورًا. لكن الشغالة رفعت راسها وقالت: — أنا مش بسرق يا بيه، ومش بعمل حاجة حرام. ولو حضرتك مش عايزني أشتغل هنا، أنا مستعدة أمشي، بس أرجوك متمنعنيش أخد العيش اللي اشتريته من فلوسي. كان في صوتها إصرار غريب.
إصرار خلاني أحس إن الموضوع أكبر من مجرد شوية عيش. سألتها: — هو إنتِ عندك بنت؟ اتغيرت ملامحها فجأة. — أيوه يا بيه. — عندها كام سنة؟ — سبع سنين. — وأبوها؟ بلعت ريقها. — ربنا يرحمه. سكت لحظة. وبعدين سألتها: — وبتصرفي عليها من مرتبك؟ — أيوه. بصيت تاني لإيصالات الشراء.
وقلت باستغراب: — يعني إنتِ عندك بنت يتيمة مسؤولة منك، وبتصرفي جزء كبير من مرتبك على عيش لناس تانية؟! ردت بهدوء: — بنتي الحمد لله بتاكل كل يوم يا بيه… لكن فيه ناس مش لاقية حتى رغيف ناشف. الجملة دي خلتني أسكت. مش عارف ليه. يمكن علشان قالتها ببساطة شديدة.
ويمكن علشان حسيت لأول مرة إن البنت دي عندها حاجة أنا مش فاهمها. رجعتلها الإيصالات وقلت: — اتفضلي امشي. شالت الشنطة، وشكرتني، وخرجت. لكن وأنا بتابعها بعيني، لاحظت حاجة غريبة. كانت ماشية بسرعة، وحاضنة الشنطة لصدرها كأنها شايلة طفل صغير. ولما بعدت شوية، وقفت تحت شجرة، وطلعت موبايل قديم من جيبها.
اتكلمت ثواني. وبعدين سمعتها من بعيد بتقول: — متقلقوش… أنا جاية، والعيش معايا. وقتها حسيت إن لازم أعرف الحقيقة. دخلت الفيلا، لكن معرفتش أقعد. فضلت أفكر في كلامها. مين الناس اللي مستنيين العيش؟ وليه كانت مستعدة تتطرد من شغلها علشانهم؟ وإزاي واحدة مرتبها بسيط تقدر تصرف بالشكل ده؟



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.