لكن فجأة سمعت صوت راجل عجوز جاي من آخر الأوضة. صوت ضعيف، لكنه كان مألوف بشكل غريب. قال: — هي البنت جابت العيش؟ طب هاتيلي رغيف يا بنتي، بقالي من امبارح مستني. الشغالة قربت منه. وأنا اتحركت خطوة ناحية الباب علشان أشوف وشه.
كان قاعد على مرتبة قديمة، ولابس جلابية باهتة، وحاطط بطانية على رجليه. وشه مليان تجاعيد، ودقنه بيضا، وعينيه غايرين من التعب. لكن أول ما رفع راسه، قلبي وقع في رجلي!أنا أعرف الراجل ده! أعرفه كويس جدًا!
آخر مرة شوفته كانت من أكتر من تلاتين سنة! كان واقف قدام فرن قديم، ولابس جلابية نضيفة، وبيمد إيده لطفل صغير برغيف عيش سخن. والطفل الصغير ده… كان أنا! رجعت خطوة لورا، وسندت على الحيطة. إزاي الراجل ده موجود هنا؟! وإزاي وصل للحالة دي؟!
وقبل ما أستوعب اللي شايفه، سمعت الشغالة بتقوله: — خد يا عم، ده رغيف طازة مخصوص ليك. الراجل مسك الرغيف، وابتسم ابتسامة حزينة. وبعدين قال جملة خلت جسمي كله يقشعر: — ريحته زي عيش الفرن بتاعي زمان… ياااه، ده أنا كان عندي فرن، وكان فيه ولد صغير بييجي كل يوم جعان، وكنت بخبيله رغيفين من غير ما أبوه يعرف!
سكت لحظة، وبعدين كمل: — الولد ده كبر وبقى غني أوي… بس الظاهر إنه نسي العيش اللي كان بيأكله! حسيت إن الأرض بتلف بيا. وقبل ما أقدر أتحرك، الشغالة لفتت وشها ناحية الباب. وشافتني واقف! اتسمرت مكانها. والعيش وقع من إيدها. وقالت بصوت مليان رعب: — يا بيه؟! إنت بتعمل إيه هنا؟
! لكن أنا مكنتش ببصلها. كنت باصص للراجل العجوز. والراجل كان باصصلي هو كمان. فضلنا ثواني ساكتين. وبعدين رفع إيده المرتعشة، وأشار ناحيتي. وقال بصوت مبحوح: — إنت… إنت ابن الست اللي كانت بتسيبلي العيش على الشباك؟!
وفي اللحظة دي، فهمت إن أمي مكنتش بتهلوس لما قالتلي إنها مخبية رغيف عيش علشان الشباك! لكن اللي مكنتش أعرفه إن الراجل العجوز ده كان شايل سر من أيام طفولتي، ولو السر ده اتكشف، ممكن يغير كل حاجة كنت فاكرها عن نفسي وعن ثروتي!
يتبع في الجزء الثاني… ✍️ بقلم الكاتبة أسما السيد



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.