مريم وقفت في بلكونة شقتها الجديدة، بصت للسما وابتسمت، وحست بروح أبوها وهي بتقولها من بعيد: “شفتي يا بنتي؟ سندك الحقيقي هو نفسك وعزتك، ومحدش أبداً هيقدر يكسر عينك.” الشمس كانت بتبدأ تغرب، وأشعتها الذهبية بتعكس على جدران الشقة الجديدة اللي بقت واحة السلام والحرية بالنسبة لمريم.
قاعدة في البلكونة بتشرب شايها بهدوء، وفجأة جرس الباب رن. مريم قامت بثبات، فتحت الباب، لقت قدامها شخص مكنتش تتوقع تشوفه خالص.. “محمود”! لكن محمود اللي واقف قدامها مكنش هو الراجل المتعجرف اللي كان بيتعامل بتعالي من أسبوعين.
كان محني الضهر، عينيه متعبة من السهر، وواضح عليه التأثر الشديد. أول ما شافها، قال بصوت مكسور: “مريم.. ازيك؟ ممكن أدخل.. عايز أتكلم معاكي كلمتين لوجه الله؟” مريم فضلت واقفة مكانها ماسكة باب الشقة وبكل برود وثقة قالت: “أهلاً يا محمود.
. مفيش بينا كلام، وإذا كنت جاي عشان الشقة القديمة فاحب أفكرك إنها اتسلمت لي، والقضية ماشية في المحاكم.. وإذا كنت جاي عشان ترجع.. فالباب اللي دخلت منه يوم ما طردتني وبعتني، اتقفل للأبد.” محمود نزل راسه في الأرض ودمعة خانته نزلت على خده، وقال بصوت بيترعش: “حقك عليّا.
. أنا عارف إني ضيعت نفسي وضيعتك من إيدي.. أمي وأخويا هربوا مني أول ما خرجنا من القسم، وكل واحد دور على مصلحته وسبوني وحدي، والناس بقوا يبصوا لي بنظرة لوم بعد اللي حصل.. بقيت وحدي يا مريم، ومحدش استحملني ولا وقف جنبي غيرك.
. إنتي كنتِ النعمة اللي فرطت فيها.” مريم بصتله بنظرة هادئة وقالت: “عارف يا محمود؟ وجعتني أكتر وقت ما بعتني بالرخيص عشان ترضي ناس مبيعرفوش ربنا، وقت ما فضلت كلامهم على كرامتي ووجعي.. دلوقتي جاي تندم بعد ما الكسر وصل للقلب؟ الندم مش بيصلح اللي اتكسر، ولا الدموع هترجع اللي راح.
” في اللحظة دي، جرس الباب رن تاني، بس بصوت هادئ.. مريم بصت لمحمود وقالتله: “استنى هنا.” وفتحت الباب. لقت المحامي بتاعها واقف ومعاه أوراق رسمية، وبابتسامة قالها: “مبروك يا مدام مريم، القاضي حكم لصالحك في قضية الطلاق للضرر، وثبت حقوقك كاملة، ودي وثيقة الطلاق الرسمية وصلت النهاردة.
” مريم أخدت الورقة من إيده، شكرته وقفلت الباب. رجعت لمحمود وبصت للورقة في إيدها، وبعدين حطتها قدامه على الترابيزة وقالت: “دي وثيقة طلاقنا يا محمود.. رسمياً، انتهينا. شكرًا لأنك في يوم ورتني إني قوية أكتر مما كنت متخيلة، وشكرًا لأنك بعدت عني عشان أعرف أعيش حياتي بجد.
” محمود بص للورقة بعينين مكسورتين، وعرف إن خلاص.. مفيش أي رجعة، والصفحة اتتقلت للأبد. لف ووطى راسه ونزل خطوه ورا خطوة، وهو حاسس بحجم الخسارة اللي سببها لنفسه بقراراته. مريم قفلت الباب وراها، أخدت نفس عميق وهي حاسة كأن جبل اتحملته سنين نزل من على كتافها.
دخلت أوضتها، فتحت الشباك على الآخر، وبصت للسما الواسعة وقالت بصوت هامس: “دلوقتي بس.. بدأت حياتي بجد.” مريم كانت قاعدة في البلكونة بتشرب قهوتها، وبتستنشق هواء الحرية والهدوء، كأنها ولدت من جديد. قضايا المحاكم كانت ماشية في صالحها تماماً، ومحمود بقى يتصل بيها من أرقام مختلفة عشان يتوسل لها تتنازل، خصوصاً بعد ما خطوبة حمادة اتفسخت رسمي لأن أخبار المشاكل انتشرت في الحارة وأهل العروسة تراجعوا فوراً.
لكن مريم مكنش قلبها بيرق للندم المتأخر ده؛ لأنها عرفت إن الندم مش حب فيها ولا في العشرة، ده خوف من العقاب القانوني ومن النتيجة اللي عملوها بإيديهم. في يوم، وهي في الشغل، جالها اتصال من رقم غريب. فتحت، ففاجئها صوت حماتها..



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.