لكن مريم مكنش قلبها بيرق للندم المتأخر ده؛ لأنها عرفت إن الندم مش حب فيها ولا في العشرة، ده خوف من العقاب القانوني ومن النتيجة اللي عملوها بإيديهم. في يوم، وهي في الشغل، جالها اتصال من رقم غريب. فتحت، ففاجئها صوت حماتها.
. الصوت اللي كان من أسابيع قليلة بيزعق ويأمر، بقى صوت مكسور ومليان رجاء: “يا مريم يا بنتي.. بالله عليكي افتحي السكة في وش محمود ابني، الواد ضاع، الشغل بيطردوه منه، والقضايا هتدخله السجــ,,ـــــن، وأخوه حمادة مبقاش ليه عيون يبص بيها لحد في الحارة.
. حقك على راسنا، تعالي سامحينا، بس ابني لا!” مريم نزلت سماعة التليفون من على أذنها، وبصت للفراغ قدامها وقالت بصوت هادئ وثابت: “دلوقتي بقيت “يا بنتي” يا طنط؟ ودلوقتي بقا محمود ابني محتاج، مش لما كان واقف بيبعدني بكل جبروت عشان يرضيكم؟
الأوان فات يا أم محمود، واللي كسر حاجة بايده، يستحمل وجعها.. القانون هو اللي هيقرر، ومش أنا.” قفلت السكة في وشها ومفكرتش تفتح الاتصال تاني. بعد أيام، صدـ,,ـــر الحكم القضائي النهائي: حبس محمود وحمادة بتهمة اقتحام مسكن وإتلاف ممتلكات، وثبت حق مريم القانوني بالكامل، والشقة القديمة رجعت تحت تصرفها، بينما محمود لقى نفسه تايه بين المحاكم ومفيش جنبه حد غير أمه.
مريم ركزت في شغلها وفي تطوير حياتها، فلوس ورث أبوها استثمرتها صح، وشقتها الجديدة بقت واحة أمان وسعادة ونجاح، ودرست التجربة دي بقلب قوي، وعرفت كويس إن الست القوية مش اللي بتستحمل المهانة، لكن اللي بتهد البيت اللي مبيحترمهاش وتبني فوق أطلاله قصر من العز والكرامة.
سنين طويلة عدت، ومريم عرفت تثبت نفسها أكتر في شغلها، وشقتها الجديدة بقت فعلاً قصر صغير مليان هدوء وسلام وسكــ,,ـــــينة. فلوس ورث أبوها كبرت وبقت سيدة أعمال ناجحة، مش بس معاها شقة، دي بقت مالكة لمشروعها الخاص اللي بتديره بكل ثقة ونجاح.
في يوم من الأيام، وهي نازلة من عربيتها رايحة على مقر شركتها، لقت شخص واقف بعيد بيبص لها بنظرة مكسورة، وملامحه اتبدلت تماماً من كتر الهم والمحاكم والقضايا. كان محمود.. جوزها القديم. لما شافته، مريم ماترعبتش ولا اتلخبطت، ولا حتى وقفت تستعطفه أو تشمت فيه.
بصتله نظرة عادية جداً، نظرة حد بيبص لصفحة قديمة ومقفولة في كتاب اتقرأ وخلص زمان، وكملت طريقها بخطوات ثابتة ومرفوعة الرأس. محمود جرى خطوتين كأنه عايز يقولها حاجة، بس وقف مكانه لما حس بفرق السما والأرض اللي بقى بينها وبينه؛
بين مريم الست القوية الناجحة اللي ماشية بكل هيبة، وبين الإنسان المكسور اللي ضيع كل حاجة بقراراته الخاطئة. وصلت مريم لمكتبها، فتحت الباب وقعدت على كرسيها الواسع، بصت من الشباك للسما الصافية، ولمحت في إيدها مفتاح الشقة القديمة اللي رجع لها، وراحت مفكرة في كلام أبوها الله يرحمه وهي بتلمس المفتاح: “الشقة دي سندك، عشان مفيش حد يكسر عينك في يوم.
” ابتسمت بحب ورضا، وحست بروح أبوها حواليها وكأنه بيقولها: “رفعتي رأسى يا بنتي.” ومن اللحظة دي، عرفت مريم إن الستر والكرامة هما أغلى ما في الكون، وإن الباب اللي يتقفل في وش الظلــ,,ـــــم، بيففتح قدامه ألف باب من النور والسعادة الحقيقية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.