رغيف الخبز 2 حكايات اسما

نُشر منذ يوم
حفظ
غلاف المقال

الجزء الثاني: سر الراجل العجوز وقفت قدام الراجل العجوز وأنا مش مصدق عيني، خصوصًا لما رفع إيده المرتعشة، وبصلي وقال: — إنت ابن الست اللي كانت بتسيبلي العيش على الشباك؟! اتجمدت مكاني! إزاي الراجل ده يعرف أمي؟ وإزاي فاكر حكاية الشباك اللي أمي كانت بتتكلم عنها من يومين؟

! وقبل ما أسأله، مسك إيدي فجأة وقال بصوت مكسور: — أمك لسه عايشة يا ابني؟ ولا راحت للي خلقها؟ قولتله وأنا بحاول أستوعب اللي بيحصل: — أمي عايشة… بس إنت تعرفها منين؟ ابتسم ابتسامة حزينة، ودموعه بدأت تنزل. — أعرفها؟

! دي أمك كانت سبب إن بيتي ميتقفلش من تلاتين سنة! بس الظاهر إنك كبرت ونسيت كل حاجة! الشغالة كانت واقفة جنبنا، ووشها أصفر من الخوف. قربت مني وقالت: — والله يا بيه، أنا مكنتش أعرف إن حضرتك تعرف الراجل ده، ولا كنت أعرف أي حاجة عن حكايته!

لكن أنا مكنتش سامعها. كنت مركز مع الراجل العجوز، اللي فضل يبصلي كأنه بيحاول يفتكر ملامحي وأنا صغير. وفجأة قال: — فاكر يا ابني لما كنت بتيجي الفرن قبل الفجر، وتقف ورا الباب علشان محدش يشوفك؟ الكلام وقع على قلبي زي الصاعقة.

لأني فعلًا كنت بعمل كده! أنا طول عمري بحكي للناس إني بدأت حياتي من الصفر. لكن الحقيقة إن الصفر اللي كنت بتكلم عنه، مكنش مجرد قلة فلوس. إحنا في طفولتي عدت علينا أيام مكنش عندنا فيها عيش ناكله.

أبويا كان راجل بسيط، بيشتغل في ورشة صغيرة، ولما تعب ومبقاش قادر يشتغل، الدنيا ضاقت بينا. أمي اضطرت تبيع دهبها، وبعده باعت العفش اللي نقدر نستغنى عنه. لحد ما جه يوم مكنش في البيت غير سرير قديم، وترابيزة مكسورة، وكرسيين. كنت وقتها عندي حوالي عشر سنين.

وفاكر كويس إني كنت بروح المدرسة من غير فطار. وساعات كنت برجع ألاقي أمي عاملة شاي بس، وتقوللي: — كل يا حبيبي، أنا لسه واكلة من شوية. وكنت بصدقها. مكنتش أعرف إنها بتفضل جعانة علشان تسيبلي أي لقمة موجودة.

وفي يوم، وأنا راجع من المدرسة، وقفت قدام فرن صغير. ريحة العيش السخن كانت طالعة من جوه، وبطني بتوجعني من الجوع. فضلت واقف أتفرج على الناس وهي بتشتري. لحد ما صاحب الفرن خرج وبصلي. كان راجل في الأربعينات، جسمه قوي، ووشه بشوش. سألني: — واقف ليه يا بطل؟

قولتله: — مفيش يا عم، أنا بتفرج. بص لبطني، وبعدين بص للعيش اللي في إيده. وقال: — طب تعالى ساعدني أشيل الصندوق ده، وأنا هديك رغيفين. جريت وساعدته. مع إن الصندوق مكنش محتاج مساعدة أصلًا. ولما خلصت، اداني رغيفين سخنين. مسكتهم كأني مسكت كنز.

وقبل ما أمشي، ناداني وقال: — استنى يا ابني… خد الرغيف ده كمان لأمك. ومن يومها بقيت أروحله كل يوم. كان دايمًا يطلب مني شغل بسيط، ويديني مقابله عيش. مرة أكنس قدام الفرن. ومرة أرتب الأكياس. ومرة أشيل صندوق فاضي.

لكن بعد سنين، فهمت إنه كان بيخترعلي شغل علشان مكسفش نفسي وأنا باخد منه العيش. الراجل ده كان أول إنسان يعلمني إن مساعدة المحتاج مش لازم تجرح كرامته. والغريب إني لما كبرت وبقيت غني، نسيت الدرس ده تمامًا!

رجعت من ذكرياتي على صوت الراجل العجوز وهو بيقول: — فاكر دلوقتي يا ابني؟ قعدت على الكرسي الخشب اللي جنبه. ومسكت إيده. كانت إيده ضعيفة جدًا، وعروقها بارزة، ومليانة آثار شغل السنين. قولتله بصوت مخنوق: — فاكر يا عم… فاكر كل حاجة.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
MK

Mahmoud Khaled ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
114مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

عملية تجميل 1 روايات

عملية تجميل 1

رحت المستشفى أصغّر صدري لقيت الدكتور اللي هيعمل لي العملية طليقي!إنتِ اتجوزتي قبل كده؟ عند…

Mahmoud Khaled 0.0 3 دقائق
سر اختى روايات

سر اختى

اكتشفت إن أختي اللي لسه مكملتش 13 سنة حامل اكتشف إن أخته اللي مكملتش 13 سنة حامل! الشخص ال…

Mahmoud Khaled 0.0 8 دقائق
عريس متسول 1 روايات

عريس متسول 1

حكايات زهره 1 كل ما يجيلنا عريس طالب الجواز كان يتقدم لاختي الصغيره ، لحد ما الرجل اللي تح…

Mahmoud Khaled 0.0 9 دقائق