سألته: — بس إنت إيه اللي جابك هنا؟! فين الفرن بتاعك؟ وفين بيتك وعيالك؟ أول ما سألت السؤال ده، ابتسامته اختفت. بص للأرض، وسكت. الشغالة قربت منه وحطت إيدها على كتفه. — متتعبش نفسك يا عم، الدكتور قالك متزعلش. لكن الراجل رفع راسه وقال: — سيبيني يا بنتي… لازم يعرف.
وبعدين بصلي. — الفرن راح يا ابني… والبيت راح… وحتى عيالي راحوا كل واحد في طريق. حسيت بغصة في زوري. — إزاي؟ اتنهد وقال: — بعد ما أبوك توفى بسنين، وأنا كنت لسه شغال في الفرن، جت عليا فترة صعبة. الدقيق غلي، والمصاريف زادت، والديون اتراكمت.
سكت شوية علشان ياخد نفسه. وبعدين كمل: — حاولت أحافظ على الفرن بكل اللي أقدر عليه، لكن المرض دخل بيتي، ومراتي احتاجت علاج غالي. بعت حاجات كتير علشان أعالجها، وفي الآخر ربنا اختارها عنده. مسح دموعه بطرف جلابيته.
— بعدها مبقتش قادر أقف على رجلي زي الأول. وواحد من ولادي دخل في تجارة وخسر، واضطرينا نبيع الفرن علشان نسدد الديون. سألته: — ومحدش من ولادك بيسأل عليك؟ رد بحزن: — واحد مسافر من سنين، والتاني ظروفه صعبة، ومبقاش يقدر يساعدني. وأنا مرضيتش أبقى حمل على حد.
بصيت حواليّا. الأوضة كانت مليانة ناس كبار في السن. كل واحد فيهم قاعد على مرتبة قديمة، ومستني دوره في رغيف عيش. سألته: — والناس دي كلها مين؟ قال: — دول ناس زيي يا ابني… الدنيا تعبتهم، وكل واحد فيهم ليه حكاية.
الشغالة اتدخلت وقالت: — المكان ده كان زمان بيت قديم تابع لجمعية خيرية صغيرة. الجمعية قفلت من فترة بسبب قلة التبرعات، والناس اللي هنا ملقوش مكان يروحوله. بصيتلها باستغراب. — وإنتِ عرفتيهم إزاي؟ سكتت لحظة، وبعدين قالت: — من حوالي سنة، كنت راجعة من شغلي، ولقيت راجل كبير واقع على الرصيف ومش قادر يقوم.
الناس كانت بتعدي من جنبه، وكل واحد مستعجل على حاله. بصت للراجل العجوز. — كان هو. كملت وهي بتحاول تمنع دموعها: — ساعدته يقوم، وجبتله مية وعيش، ووصلته هنا. ولما دخلت، لقيت ناس كتير زيه، بعضهم مريض، وبعضهم مش قادر يتحرك، وفيه ناس بتفضل اليوم كله من غير أكل.
سألتها: — ومن يومها وإنتِ بتجيبلهم عيش؟ هزت راسها. — في الأول كنت بجيب على قد فلوسي، وبعد كده لاحظت إن في الفيلا عند حضرتك عيش كتير بيتبقي كل يوم، والطباخة بترميه. بلعت ريقها وكملت: — كنت باخد العيش السليم اللي كان هيترمي، وأجيبه هنا.
والله يا بيه عمري ما أخدت رغيف من الأكل اللي بيتقدم لحضرتك، ولا خليت حد يخبز زيادة علشاني. بصتلي بعينيها الواسعتين. — ولما حضرتك منعتني، مكنش قدامي غير إني أشتريه من مرتبي. قولتلها: — بس إنتِ عندك بنت صغيرة، ومحتاجة كل جنيه. ابتسمت ابتسامة حزينة.
— بنتي بتاكل الحمد لله، وعندها سقف يحميها. لكن الست اللي هناك دي… وأشارت لست عجوز قاعدة في آخر الأوضة. — بقالها تلات أيام مش قادرة تقوم من مكانها، ومفيش حد يسأل عليها. والراجل اللي جنبها مريض سكر، ولازم ياكل مع علاجه.
أسيبهم جعانين إزاي؟ سكت. مكنش عندي رد. كنت واقف قدام بنت مرتبها على قدها، ومع ذلك بتقسم رزقها على ناس متعرفهمش. وأنا اللي عندي مصانع بتنتج آلاف الأرغفة كل يوم، كنت بأمر إن العيش السليم يترمي في الزبالة! وفجأة الراجل العجوز شد على إيدي.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.