استغرب. — دلوقتي يا فندم؟ — أيوه، دلوقتي. — الكمية قد إيه؟ بصيت ناحية البيت القديم. وقولتله: — كمية تكفي كل اللي هنا أسبوع كامل، ومعاها لبن وجبنة وفاكهة ومية. قال: — حاضر يا فندم. وقبل ما يقفل، قولتله: — واستنى… عايز دكتور ييجي يكشف على الناس كلها، واللي محتاج مستشفى يتنقل فورًا.
الشغالة كانت واقفة جنبي، ومش مصدقة اللي بتسمعه. وقالت: — ربنا يجازيك خير يا بيه. بصيتلها وقلت: — متشكرنيش… أنا لسه معملتش حاجة. بعد حوالي ساعة، وصلت عربية كبيرة محملة بالأكل. الناس بدأت تتجمع عند الباب. الست العجوز اللي كانت باست رغيف العيش، وقفت وهي بتستند على عصاية.
وقالت وهي بتعيط: — هو كل ده لينا؟ هزيت راسي. — أيوه يا أمي، كله ليكم. رفعت إيديها للسما. — ربنا يفتحها عليك يا ابني، زي ما فتحتها علينا. حسيت بحاجة غريبة في صدري. كنت بسمع الدعوات دي لأول مرة من ناس فعلًا محتاجة.
مش من موظفين بيجاملوني. ولا من ناس بتشكرني علشان مصلحة. لكن من قلوب كانت جعانة، ولقت أكل. رجعت للراجل العجوز وقعدت جنبه. قولتله: — أنا عايز آخدك معايا البيت. بصلي باستغراب. — بيتك؟ — أيوه، هتقعد عندي، وهتتعالج، وهترتاح. ابتسم وقال: — ربنا يكرمك يا ابني، بس أنا مش هسيب الناس دي.
قلت بسرعة: — مش هسيبهم أنا كمان. لكن الراجل هز راسه. — إنت لسه مش فاهم يا ابني. استغربت. — مش فاهم إيه؟ قال: — الناس دي مش محتاجة عيش يوم ولا أسبوع. محتاجة حد يحسسها إنها لسه بشر، وإنها مش مرمية على جنب. سكت.
وبعدين كمل: — الفلوس ممكن تجيب أكل، لكن الرحمة هي اللي بتخلي الإنسان يحس إنه عايش. كنت هرد عليه، لكن فجأة حط إيده على صدره. وشه اتغير. وبدأ يتنفس بصعوبة. الشغالة صرخت: — يا عم! مالك؟! قربت منه بسرعة. — إنت كويس؟! حاول يتكلم، لكن صوته كان ضعيف.
قال: — أمك… لازم أشوف أمك… وبعدين عينيه بدأت تقفل. صرخت بأعلى صوتي: — حد يجيب الدكتور بسرعة! الدكتور وصل بعد دقايق، وكشف عليه. قال إن حالته محتاجة نقل للمستشفى فورًا، وإن عنده مشاكل صحية مهملة من فترة طويلة. طلبت إسعاف مجهز، وفضلت جنبه لحد ما وصل.
وقبل ما يشيلوه، فتح عينيه وبصلي. مسك طرف بدلتي وقال: — أوعى تنسى الشباك يا ابني. قولتله وأنا بعيط: — مش هنسى… والله ما هنسى. لكن قبل ما أسيب إيده، قال حاجة غريبة: — وفيه صندوق… أمك تعرفه… بصيتله باستغراب. — صندوق إيه؟ حاول يكمل، لكن نفسه اتقطع، والدكتور طلب مننا نبعد.
شالوه بسرعة، وخرجوا بيه. وقفت مكاني وأنا مش فاهم. صندوق؟ إيه علاقة أمي بصندوق عند الراجل ده؟ وليه كان مصر يقوللي عليه وهو في الحالة دي؟ رجعت الفيلا بعد نص الليل. كنت مرهق، وهدومي عليها تراب من الحارة، وجزمتي اتبهدلت. لكن لأول مرة مكنتش مهتم بمظهري.
دخلت لقيت مدبرة البيت واقفة مستنياني. قالت: — الحمد لله على السلامة يا بيه. حضرتك اتأخرت أوي. بصيتلها وسألتها: — أمي فين؟ قالت: — في أوضتها، بس من شوية كانت بتسأل عن الشغالة، وبتقول إن العيش لازم يوصل.
حسيت إن قلبي دق بسرعة. طلعت السلم، ودخلت أوضة أمي. كانت قاعدة على السرير، وحاضنة مخدة صغيرة. أول ما شافتني، ابتسمت. — حبيبي رجع من المدرسة! قربت منها، وقعدت عند رجليها. مسكت إيدها وبستها. وقولتلها: — يا أمي… فاكرة الراجل اللي كان بيسيب العيش على الشباك؟



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.