» فضلت واقف في مكاني، ماسك الظرف بإيدي، ومش عارف أفتحه ولا أستنى لما أكلم أخويا وأفهم منه الأول. لكن الفضول غلبني، قعدت على الكنبة وطلعت الورق اللي جواه، ولقيت أول ورقة مكتوب عليها بخط أخويا: «أخويا محمود، لو إنت بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا أخيرًا قررت أحكيلك الحقيقة اللي فضلت ساكت عنها سنين.
أنا عارف إنك عمرك ما حسبت اللي عملته معايا جميل، لكن أنا عمري ما نسيت اليوم اللي وقفت فيه جنبي، ولا اليوم اللي اكتشفت فيه إنك كنت بتديني أكتر بكتير من مجرد شقة أعيش فيها». قلبي بدأ يدق بسرعة، وكملت قراءة. «فاكر يا محمود يوم ما أبويا مات؟
وقتها أنا كنت لسه شاب صغير، وشغلي على قدي، ومكنتش عارف هعمل إيه في حياتي. كنت خايف أفضل طول عمري عاجز عن إني أكون بيت وأسرة، وكنت ساعات بحس إني أقل منك، خصوصًا إنك كنت بتشتغل وبتحاول تبني نفسك، وأنا كل اللي كنت بقدر أعمله إني أوفر مصاريفي بالعافية.
بعد وفــ,,ـــــاه أبويا، وإحنا لسه في أيام العزاء، دخلت أوضته أدور على شوية ورق كنت محتاجهم، ولقيت ملف قديم بين هدومه. في الملف ده كانت فيه ورقة مكتوبة بخط إيده، وكان فيها كلام عننا إحنا الاتنين».
هنا إيدي بدأت تترعش، لأن الكلام عن أبويا خلاني أفتكر أيامه الأخيرة، وإزاي كان دايمًا يوصينا ببعض، ويقول لنا إن الدنيا مش مستاهلة إن أخ يزعل من أخوه. كملت قراءة رسالة أحمد: «الورقة يا محمود مكنتش وصية جديدة، ولا كان فيها فلوس مستخبية زي ما ممكن تتخيل.
كانت ورقة قديمة أبويا كاتب فيها إنه نفسه يشوفنا سند لبعض، وإنه عارف إن ظروفنا مختلفة، وإنك غالبًا هتقدر تبني نفسك أسرع مني، لكنه كان خايف إن الدنيا تفرق بيننا بعد مــ,,ـــــوته. وفي آخر الورقة، كان كاتب جملة عمري ما نسيتها: لو أخوك احتاجك في يوم، افتكر إنكوا الاتنين من بيت واحد، وإن اللي يسند أخوه النهارده، ممكن يلاقيه بكرة هو اللي سنده».
وقفت عن القراءة لحظة، ودموعي نزلت من غير ما أحس. أبويا كان فعلًا بيقول لنا الكلام ده، لكن عمري ما تخيلت إن أخويا محتفظ بورقة زي دي، وإنها فضلت معاه السنين دي كلها. رجعت أكمل الرسالة، ولقيته كاتب: «بس يا محمود، الورقة دي مش هي السبب الوحيد اللي خلاني أبعتلك الفلوس وأعرض على ابنك السفر.
فيه حاجة تانية حصلت بعد جوازي بفترة، وأنا مكنتش عارف أحكيلك عنها إزاي». هنا حسيت إن الموضوع أكبر من مجرد رسالة عاطفية، وإن أخويا فعلًا عنده حكاية تانية. قمت من مكاني واتصلت بيه فورًا. رد عليا بعد رنتين، وقلتله من غير مقدمات: _ يا أحمد، أنا فتحت الظرف وقريت الرسالة.
إنت ليه مقولتليش كل ده من زمان؟ وإيه الحكاية التانية اللي حصلت بعد جوازك؟ أخد نفس طويل وقال: _ استنى بس يا محمود، خليني أحكيلك من الأول علشان تفهم كل حاجة. قاللي إن بعد جوازه بحوالي سنة، حصلت مشكلة كبيرة في شغله، والشركة اللي كان شغال فيها قللت عدد العمال، وكان من ضمنهم هو.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.