وهي ابتسمت وقالت: — ربنا يباركلك يا حبيبي، ومتنساش فضل حد عليك. مكنتش فاهم قصدها وقتها. لكن دلوقتي فهمت! سألت أمي: — طب ليه مقولتليش الحقيقة بعد ما ربنا كرمني وبقيت معايا فلوس؟ بصتلي بحزن. — حاولت يا ابني. — إمتى؟!
— بعد ما فتحت تالت فرن، قولتلك إن فيه راجل قديم له فضل علينا، وإننا لازم نزوره. افتكرت الموقف. كنت وقتها مشغول بصفقة كبيرة، وقلت لها: “يا أمي، الناس اللي ساعدتنا زمان أنا مش ناسيهم، بس دلوقتي عندي شغل أهم، وبعدين أبقى أشوف الموضوع.
” أمي كملت: — وبعدها بكام سنة، الراجل جه يسأل عليك، وكان محتاج مساعدة علشان مراته كانت مريضة. رفعت راسي بسرعة. — جه هنا؟! — أيوه. — وقابلني؟! هزت راسها بالنفي. — مدبرة البيت قالتله إنك مشغول، وإنك مبتقابلش حد من غير ميعاد. حسيت بغضب شديد.
— وإنتِ عرفتي منين؟ قالت: — البواب القديم حكالي بعدها، وأنا حاولت أوصله، لكن كان ساب بيته، ومحدش عرف راح فين. حطيت إيدي على وشي. الراجل اللي ساعدني وأنا صغير، واللي اداني من تحويشة عمره علشان أبدأ مشروعي، جه لباب بيتي وهو محتاجني! وأنا مكنتش موجود!
والأصعب إنه مشي من غير ما حد يعرفني إنه جه! سألت أمي: — طب وإنتِ ليه مخبية الورق ده كله؟ قالت بصوت مكسور: — علشان كنت خايفة أنسى يا ابني… من يوم ما بدأت ذاكرتي تتعب، وأنا كل شوية أفتح الصندوق وأبص في الورق، وأقول لازم تعرف الحقيقة قبل ما أمـ,ـوت.
دموعي نزلت غصب عني. قربت منها، وحضنتها. — سامحيني يا أمي. طبطبت على ضهري. — أنا مسامحاك يا حبيبي… بس لازم تصلح اللي فات. قضيت الليلة كلها صاحي. قدامي عقد الفرن، وإيصال الأمانة، والصورة القديمة. كل شوية أبص فيهم وأفتكر الراجل العجوز وهو قاعد على المرتبة، مستني الشغالة تجيبله رغيف عيش.
وأفتكر نفسي وأنا واقف قدام العاملين، وبأمر البنت ترمي العيش في الزبالة. كنت فاكر إن النجاح بيتقاس بعدد المصانع والأرصدة اللي في البنك. لكن في الليلة دي، حسيت إني أفقر واحد في الدنيا. لأن الراجل اللي كان بيديني عيش وأنا جعان، كان جعان وأنا عندي آلاف الأرغفة بتترمي كل يوم!
تاني يوم الصبح، رحت المستشفى قبل ما أروح الشركة. الدكتور قال إن حالة الراجل استقرت، لكنه محتاج علاج ومتابعة، وإن جسمه ضعيف بسبب سوء التغذية والإهمال الصحي. دخلت أوضته. كان نايم على السرير، والمحاليل متعلقة جنبه.
أول ما شافني، ابتسم. — إيه يا ابني؟! سيبت شغلك وجيت تطمن عليا؟ قربت منه، وقعدت على الكرسي. — شغلي يستنى يا عم. ضحك وقال: — ده كلام جديد عليك. ابتسمت بحزن. — عندك حق. مسكت إيده. — أنا عرفت حكاية الفلوس.
ابتسامته اختفت. وبصلي بتركيز. — أمك قالتلك؟ هزيت راسي. — أيوه. سكت شوية، وبعدين قال: — أنا كنت موصيها متقولكش غير لما تقف على رجليك. قولتله: — وأنا وقفت على رجلي من زمان، وإنت ليه سبتني أنسى حقك؟ هز راسه. — أنا مدتكش الفلوس علشان أفضل أفكرك بيها يا ابني.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.