وبعد ما خلصت، قرب مني وقال: — أنا فرحان بيك النهارده أكتر من يوم ما فتحت أول فرن. سألته: — ليه؟ رد: — علشان يومها كنت بتتعلم إزاي تكسب فلوس… لكن النهارده اتعلمت إزاي تستخدمها في الخير. حضنته وأنا بعيط.
دلوقتي، كل ما أدخل بيتي وأشوف السفرة مليانة أكل، بفتكر الست العجوز اللي باست رغيف العيش. وكل ما أشوف عربية من عربيات الشركة محملة بالمخبوزات، بفتكر الطفل اللي كان بيستنى رغيفين قبل الفجر. وكل ما أبص لساعتي الغالية، بفتكر اليوم اللي أجبرت فيه الشغالة ترمي ست أرغفة في الزبالة، لمجرد إني كنت مستعجل على مكالمة شغل.
المكالمة دي نسيتها من زمان. لكن دمعة البنت وهي بترمي آخر رغيف، لسه فاكرها كأنها نزلت امبارح. كنت مليونير، وعندي كل حاجة ممكن الفلوس تشتريها. لكن كنت فقير في أهم حاجة. الرحمة. والغريب إن اللي علمني الرحمة مكنش رجل أعمال كبير، ولا خبير مشهور، ولا حد من أصحاب المناصب.
اللي علمني الرحمة كانت شغالة بسيطة، بتاخد من مرتبها علشان تشتري عيش لناس جعانة. وراجل عجوز، كان بيديني رغيفين وأنا صغير، من غير ما يستنى مني شكر. وأم عجوز، رغم إن ذاكرتها كانت بتضيع منها يوم بعد يوم، عمرها ما نسيت رغيف العيش اللي كان بيتحط على الشباك.
ومن يومها فهمت إن الغنى الحقيقي مش إنك تملك آلاف الأرغفة، لكن إنك متسيبش حد جعان وإنت قادر تساعده. وإن المعروف اللي بتعمله النهارده، ممكن يرجعلك بعد تلاتين سنة، مش شرط في صورة فلوس… يمكن يرجعلك في صورة دعوة صادقة، أو قلب يتغير، أو إنسان يفتكر إن الدنيا لسه فيها خير.
تمت بحمد الله. ✍️ بقلم الكاتبة أسما السيد



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.