رغيف الخبز 3 حكايات اسما

نُشر منذ يوم
حفظ
غلاف المقال

وعن الشباك اللي كان بيتساب موارب قبل الفجر. وأنا كنت قاعد أسمعهم، وحاسس إني رجعت طفل صغير. فجأة أمي بصتلي وقالت: — فاكر يا حبيبي لما كنت تصحى تلاقي العيش على الشباك؟ ابتسمت وقلت: — فاكر يا أمي. قالت: — كنت تجري عليا وتقوللي: يا ماما، ربنا بعتلنا عيش! ضحك الراجل العجوز.

وقال: — وكان بيخلص رغيف وهو واقف قبل ما يدخل الأوضة! ضحكنا كلنا. لكن أمي فجأة مسكت إيدي وقالت: — شفت يا ابني؟ الخير عمره ما بيضيع. بصيت للراجل العجوز، وبعدين بصيتلها. وقولتلها: — عندك حق يا أمي… الخير ممكن يتأخر، لكنه عمره ما بيضيع.

بعد الزيارة دي، عملت حاجة كنت مأجلها من سنين. روحت بنفسي للمكان اللي كان فيه الفرن القديم. المكان اتغير، والشارع بقى مختلف، لكن لسه فيه فرن صغير شغال. وقفت قدامه، وافتكرت نفسي وأنا طفل جعان، مستني الراجل يطلع يديني رغيفين. دخلت واشتريت عيش سخن. وقفت بره، ومسكت رغيف في إيدي.

ريحته رجعتلي ذكريات عمري كله. وفجأة شفت طفل صغير واقف بعيد، بيبص للعيش. قربت منه وسألته: — إنت جعان يا بطل؟ بصلي بخجل. — شوية. مديتله كيس العيش. لكنه اتردد. — معيش فلوس يا عمو. ابتسمت وقلت: — طب تساعدني أشيل الكيس ده لحد العربية؟

هز راسه بحماس. شال معايا كيس خفيف، ولما وصلنا، اديته العيش. قال باستغراب: — كل ده ليا؟ قولتله: — ليك ولأهلك. ابتسم ابتسامة واسعة، وجري وهو شايل الكيس. فضلت واقف أتفرج عليه. وافتكرت الراجل العجوز وهو بيعمل معايا نفس الحاجة من أكتر من تلاتين سنة.

ساعتها فهمت إن أعظم ميراث ممكن الإنسان يسيبه مش الفلوس ولا العقارات. أعظم ميراث هو الرحمة اللي بتتنقل من قلب لقلب. مرت سنة كاملة. المؤسسة الخيرية كبرت، وبقينا بنساعد أسر كتير، وبنوصل وجبات لكبار السن اللي عايشين لوحدهم. والشغالة اللي كنت هطردها بقت واحدة من أهم الناس في المشروع.

بنتها بقت تيجي تزورها أحيانًا بعد المدرسة، وكانت بتفرح لما تشوف أمها بتساعد الناس. أما أمي، فكانت أسعد إنسانة كل ما تشوف عربية العيش بتخرج من المصنع علشان توزع الوجبات. وفي يوم، وأنا قاعد معاها، سألتني: — هو العيش وصل يا حبيبي؟

ابتسمت وقلت: — وصل يا أمي. قالت: — كله؟ قولتلها: — كله يا ست الكل. ابتسمت وغمضت عينيها براحة. لكن قبل ما تنام، همست: — متنساش الشباك. بست إيدها وقلت: — عمري ما هنساه. وفي ذكرى افتتاح أول فرن ليا، جمعت العاملين في الشركة. مكنتش عايز أعمل احتفال فخم.

كل اللي عملته إني حطيت صورة قديمة للراجل العجوز وهو واقف قدام فرنه، جنب صورة أول مصنع فتحته. ووقفت قدام الناس وقلت: — طول عمري كنت بقول إني بنيت نفسي بنفسي، لكن الحقيقة إن محدش بينجح لوحده.

سكت لحظة، وبعدين كملت: — فيه ناس بتساعدنا وإحنا ضعاف، وفيه ناس بتدينا فرصة وإحنا مش لاقيين، وفيه ناس بتطعمنا وإحنا جعانين، ومن غير ما تطلب مقابل. بصيت للراجل العجوز اللي كان قاعد في الصف الأول، وجنبه أمي.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
MK

Mahmoud Khaled ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
119مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

عملية تجميل 1 روايات

عملية تجميل 1

رحت المستشفى أصغّر صدري لقيت الدكتور اللي هيعمل لي العملية طليقي!إنتِ اتجوزتي قبل كده؟ عند…

Mahmoud Khaled 0.0 3 دقائق
سر اختى روايات

سر اختى

اكتشفت إن أختي اللي لسه مكملتش 13 سنة حامل اكتشف إن أخته اللي مكملتش 13 سنة حامل! الشخص ال…

Mahmoud Khaled 0.0 8 دقائق
تقى 1 روايات

تقى 1

قصص وروايات أمانى سيد سلفتى حلوه وبتحب جوزها والكل بيخلف بأخلاقها بعد خمس سنين من جوازهم ل…

Mahmoud Khaled 0.0 8 دقائق