هزيت راسي. — أيوه. سكت شوية، وبعدين قال: — أنا كنت موصيها متقولكش غير لما تقف على رجليك. قولتله: — وأنا وقفت على رجلي من زمان، وإنت ليه سبتني أنسى حقك؟ هز راسه. — أنا مدتكش الفلوس علشان أفضل أفكرك بيها يا ابني. كنت شايف فيك شاب مجتهد، وعارف إنك لو لقيت فرصة هتنجح.
قلت وأنا بعيط: — بس إنت خسرت فرنك بعد كده، ومراتك تعبت، وإنت كنت محتاج الفلوس! ابتسم ابتسامة حزينة. — وقتها كنت فاكر إني هقدر أعدي الأزمة لوحدي. سألته: — ولما جيت بيتي، ليه ممشيتش الموضوع لحد ما تقابلني؟
قال بهدوء: — جيت يومها علشان أطلب منك تساعدني ألاقي دكتور شاطر لمراتي، مش علشان أطلب الفلوس. ولما قالولي إنك مشغول، مشيت. سكت لحظة، وبعدين كمل: — وبعدها مراتي اتوفت، والدنيا اتقلبت، وأنا مبقاش ليا نفس أطالب حد بحاجة. حسيت إن كل كلمة منه بتوجعني.
طلعت إيصال الأمانة من جيبي، وحطيته قدامه. — المبلغ ده دين في رقبتي، وحقك لازم يرجعلك. بص للإيصال، وبعدين بصلي. — يا ابني، أنا مش عايز منك حاجة. قولتله: — بس أنا عايز أردلك حقك. رد بهدوء: — يبقى متخلّيش حد جعان يمد إيده قدامك، وإنت قادر تطعمه.
الكلمة دي كانت أصعب من أي حساب. خرجت من المستشفى، وروحت الشركة. جمعت المديرين والمسؤولين عن المصانع والتوزيع. كلهم كانوا فاكرين إن فيه صفقة جديدة أو مشروع ضخم. وقفت قدامهم وقلت: — من النهارده، ممنوع إهدار أي مخبوزات صالحة للأكل في مصانعنا أو محلاتنا. مدير الإنتاج استغرب.
— بس يا فندم، إحنا عندنا كميات بترجع من التوزيع كل يوم. قولتله: — الكميات السليمة والآمنة تتفرز وتتوزع عن طريق جمعيات موثوقة، وفي الوقت المناسب، بدل ما تترمي. وأي حاجة غير صالحة للاستهلاك تتخلصوا منها بالطريقة الصحية. مدير الحسابات سأل: — وده هيكلف الشركة قد إيه؟
بصيتله وقلت: — احسبوا التكلفة، وهنحط لها ميزانية ثابتة. وبعدين كملت: — وعايزين نبدأ مشروع مطابخ خيرية، يوفر وجبات يومية لكبار السن والناس اللي مش قادرة تشتغل. واحد من المديرين قال: — حضرتك ناوي تعمل حملة إعلانية للمشروع؟ رديت: — لأ.
مش عايز كاميرات ولا إعلانات. عايز أكل يوصل للناس بكرامة، من غير تصويرهم ولا إحراجهم. سكتوا كلهم. وبعدين قولتلهم: — وعايز كمان صندوق لمساعدة العاملين اللي عندهم ظروف صحية أو أسرية صعبة، علشان محدش يضطر يختار بين علاج أهله وأكل عياله.
لأول مرة من سنين، خرجت من اجتماع وأنا حاسس إني عملت حاجة تستاهل. رجعت الفيلا بعد الضهر. ولقيت الشغالة واقفة في المطبخ، بتساعد الطباخة. أول ما شافتني، وقفت بسرعة. — أهلاً يا بيه. قولتلها: — ممكن تيجي معايا دقيقة؟ وشها اتغير. واضح إنها افتكرت إني هطردها.
دخلت المكتب، وطلبت من مدبرة البيت والسواق والطباخة يجوا. ولما اتجمعوا، بصيت للشغالة وقلت: — فاكرة اليوم اللي أجبرتك فيه ترمي ست أرغفة عيش قدام الناس؟ وطت راسها. — أيوه يا بيه. قولتلها: — أنا يومها غلطت في حقك.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.