لما خلصته واتقبل، ناديت محمود من الأوضة وقلت له: «يا محمود، الشغل اتقبل!» دخل بسرعة. «شغل إيه؟» قلت له وأنا بضحك: «رجعت أشتغل ترجمة.» فرح ليا، وبارك لي، وكريم لما عرف جه زارني ومعاه ورد. أما نادين، فبعتت لي رسالة بالألماني، بتقول فيها إنها فخورة بيا.
ضحكت وأنا بقرأ الرسالة، ورديت عليها بنفس اللغة. كانت دي أول مرة أحس إن اللغة اللي استخدمتها نادين علشان تهينني، بقت وسيلة بيننا للتقارب. وبعدها بدأت أشتغل على مشروعات أكبر، ورجعت أتعامل مع ناس من بلاد مختلفة، وأستعيد جزء من حياتي اللي كنت سايباها من سنين.
ما كانش الموضوع متعلق بالفلوس بس، رغم إن الدخل الإضافي كان مفيد. كان متعلق بإحساسي إني لسه قادرة أتعلم وأنتج وأحقق حاجة لنفسي. وفي يوم، كريم قال لي: «ماما، إنتِ عارفة إن نادين بقت بتقول لكل صحابها إن حماتها بتتكلم تمان لغات؟» ضحكت. «وبتقول لهم إيه كمان؟
» قال: «بتقول لهم إنها اتعلمت منك درس عمرها ما هتنساه.» بصيت له باستغراب. «درس إيه؟» ابتسم وقال: «إن قيمة الإنسان مش في اللي يملكه، لكن في اللي يقدمه للناس، وإن الاحترام مش بيتشترى.» حسيت بفرحة كبيرة.
مش لأن نادين بقت تمدحني، لكن لأنها أخيرًا فهمت إن الاحترام مش واجب على الطرف الأضعف، ولا امتياز بياخده الطرف الأقوى. الاحترام مسؤولية مشتركة. بعد مرور سنة على الجواز، قررت أعمل عشاء صغير في البيت، وأعزم كريم ونادين وأهلها.
ما كانش فيه مناسبة كبيرة، لكن كنت عايزة أجمع العيلتين من غير توتر ولا حسابات. حضرت الأكل اللي كريم بيحبه، ونادين جت بدري تساعدني في المطبخ. كنا بنجهز السفرة، وفجأة قالت لي: «ماما صافي، فاكرة الظرف الأحمر؟» ضحكت. «أنساه إزاي؟
» قالت وهي محرجة: «أنا لحد دلوقتي كل ما أفتكره، بحس إني عايزة أختفي من الكسوف.» قلت لها: «المهم إنك اتعلمتي منه.» ردت: «اتعلمت كتير. وأكتر حاجة اتعلمتها إني ما أحكمش على حد من شكله أو طريقته في الحياة.
» وبعدين سكتت لحظة، وقالت: «أنا كنت فاكرة إن الست اللي بتقعد في البيت ومش بتتكلم كتير، أكيد ما عندهاش خبرة في الدنيا. لكن اكتشفت إن فيه ناس بتتكلم قليل لأنها مش محتاجة تثبت حاجة لحد.» ابتسمت. «والإنسان بيتعلم طول عمره يا نادين.» بعد شوية، وصل كريم ومحمود، وبعدهم فؤاد وسوسن.
كان الجو لطيف، والكل بيتكلم ويضحك. وأثناء العشاء، سوسن رفعت كوباية العصير وقالت: «أنا عايزة أقول كلمة.» الكل سكت. قالت: «من سنة، دخلت فرح بنتي وأنا فاكرة إن من حقي أطالب بهدية معينة، وإن قيمة الهدية هي اللي هتحدد قد ايه أهل العريس مقدرين بنتي.
لكن النهارده، أنا عرفت إن التقدير مش بيتقاس بالفلوس.» بصت لي وكملت: «وأنا عايزة أعتذر مرة تانية عن طريقتي يوم الفرح. يمكن كنت مضغوطة، لكن ده ما كانش مبرر.» ابتسمت وقلت: «خلاص يا سوسن، اللي فات فات.» لكنها كملت: «وفيه حاجة كمان.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.