بعد. نص سنه شغل حكايات صافي هاني

نُشر منذ يومين
حفظ
غلاف المقال

بعد نص سنة شغل في سنغافورة، وصلت القاهرة بشنطة سفر واحدة وشنطة ظهر وهوية مزيفة، وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني من التعب، لكن قلبي كان بيدق بسرعة غريبة. ست شهور كاملة قضيتهم بعيد عن بلدي، بعيد عن الشوارع اللي اتربيت فيها، وبعيد عن البيت اللي كنت فاكرة إنه الأمان الوحيد اللي فاضل ليا في الدنيا.

اسمي الحقيقي مريم عز الدين، عندي تلاتين سنة، وبقالي تلات سنين عايشة على ذكرى أبويا، وعلى وعد قطعته لنفسي يوم ما دفنته بإيدي.أبويا مات فجأة، وسابني أنا وأمي لوحدنا. كان راجل بسيط، قضى عمره كله بيشتغل عشان يوفرلنا حياة كريمة، ولما مات اكتشفت إن الدنيا ممكن تاخد منك كل حاجة في لحظة، حتى إحساسك بالأمان.

أمي، نادية، كانت أكتر إنسانة خايفة عليها في حياتي. بعد وفاة أبويا، بقيت أحاول أعوضها عن كل حاجة خسرتها، وخصوصًا إنها كانت رافضة تسيب البيت القديم اللي عاشت فيه معاه سنين طويلة.

لكن البيت القديم كان محتاج ترميم، ومكانه بقى غير مناسب ليها، فقررت أشتري لها بيت صغير في منطقة هادية في القاهرة، قريب من المستشفى والسوق، وفيه جنينة صغيرة كانت بتحب تقعد فيها الصبح وتشرب الشاي.

دفعت مقدم البيت من فلوسي، وكتبت العقد باسم أمي، وفضلت أسدد الأقساط من مرتبي شهر ورا شهر، لحد ما قدرت أضمن إن البيت يبقى ملكها بالكامل.
يوم ما سلمتها المفتاح، عيطت في حضني وقالتلي:
“ربنا يخليكي ليا يا بنتي، إنتي عوضتيني عن أبوكي.”
وقتها حضنتها بقوة وقلتلها:

“ده أقل حاجة أعملهالك يا ماما، إنتي عمرك ما قصرتي معايا.”
ماكنتش أعرف إن نفس البيت اللي اشتريته عشان أمي تعيش فيه بأمان، هيرجع يواجهني بأبشع حقيقة ممكن بنت تكتشفها عن أمها.

بعد وفاة أبويا بسنتين، جاتلي فرصة شغل في شركة كبيرة في سنغافورة. المرتب كان أضعاف اللي باخده في مصر، والعقد مدته سنة قابلة للتجديد، وكنت شايفة إن السفر هيخليني أخلص أقساط البيت وأأمن مستقبل أمي.

في الأول كنت بكلمها كل يوم.
كل صباح قبل ما أروح الشغل، كنت أتصل بيها أطمن عليها، وأسمع حكاياتها عن الجيران، وعن الأكل اللي عملته، وعن الزرع اللي حطته في البلكونة.
لكن بالتدريج، مكالماتها قلت.
كل ما أتصل ألاقي تليفونها مقفول، أو ترد عليا بسرعة وتقول إنها تعبانة وعايزة تنام.

كنت أسألها:
“مالك يا ماما؟ صوتك متغير ليه؟”
فترد:
“مفيش يا حبيبتي، شوية إرهاق بس.”
“طب أجيلك إجازة أسبوع.”
“لأ يا مريم، خليكي في شغلك. إنتي لسه بتأسسي نفسك، وأنا كويسة.”
كنت بصدقها، لأن آخر حاجة ممكن أتخيلها إن أمي نفسها تكون بتخبي عني مصيبة.

لحد ما حصلت حاجة خلتني أرجع مصر قبل ميعاد إجازتي بشهرين.
كنت في المكتب لما جالي اتصال من رقم أرضي مصري. رديت، وسمعت صوت راجل بيقول إنه من مكتب عقارات، وإن فيه مشكلة بخصوص البيت اللي باسم والدتي.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
MK

Mahmoud Khaled ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
57مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

عملية تجميل 1 روايات

عملية تجميل 1

رحت المستشفى أصغّر صدري لقيت الدكتور اللي هيعمل لي العملية طليقي!إنتِ اتجوزتي قبل كده؟ عند…

Mahmoud Khaled 0.0 3 دقائق
سر اختى روايات

سر اختى

اكتشفت إن أختي اللي لسه مكملتش 13 سنة حامل اكتشف إن أخته اللي مكملتش 13 سنة حامل! الشخص ال…

Mahmoud Khaled 0.0 8 دقائق