وفي النهاية، رجع البيت لأمي بصورة قانونية مستقرة، واتصلح الضرر اللي حصل فيه على قد ما قدرنا.لكن أكبر تغيير حصل ماكانش في البيت.كان في أمي نفسها.الست اللي رجعت من البدروم وهي خايفة من صوت الباب، بقت تفتح الباب بنفسها، وتستقبل الجيران، وتزرع الورد، وتخرج معايا تشتري حاجات البيت.
وفي أول عيد قضيناه سوا بعد كل اللي حصل، عملت أمي صينية كحك كبيرة، وقعدنا في الصالة، وأنا جنبها، وكريم قاعد بعيد شوية.
كان فيه هدوء غريب، هدوء ناس لسه بتحاول تتعلم تعيش من جديد بعد ما اكتشفت إن أقرب الناس ليها ممكن يخذلوها.
أمي بصتلي وقالت:
“فاكرة يوم ما جبتيلي مفتاح البيت؟”
ابتسمت.
“فاكرة يا ماما.”
“وقتها قلتلك إنك عوضتيني عن أبوكي.”
مسكت إيدي.
“بس إنتي عوضتيني عن حاجات كتير، يا بنتي. رجعتيلي إحساسي إني لسه ليا بنت، وإن الدنيا مهما ظلمتني، لسه فيها باب ممكن يتفتح.”
عيني دمعت.
قلت لها:
“أنا اللي كنت فاكرة إني راجعة أنقذك، لكن إنتي اللي علمتيني إن الإنسان ممكن يقع، ويخاف، ويتوجع، ومع ذلك يقوم تاني.”
أمي ابتسمت، وبعدين قامت جابت صورة أبويا من فوق المكتبة.
حطتها قدامنا، وقالت:
“أبوكي كان دايمًا يقول إن البيوت مش حيطان، وإن البيت الحقيقي هو المكان اللي محدش يخاف فيه من اللي جواه.”
بصيت للصورة، وافتكرت خطابه، وافتكرت كل ليلة قضيتها في سنغافورة وأنا فاكرة إن الفلوس والشغل هما اللي هيأمنوا مستقبل أمي.
لكنني فهمت إن الأمان مش مجرد باب مقفول، ولا عقد ملكية، ولا حساب في البنك.
الأمان إن اللي بتحبه يعرف إنه لو اتظلم، هيلاقي حد يسمعه، ولو وقع، هيلاقي إيد تتمدله، ولو خاف، مش هيضطر يخبي خوفه عشان يحمي حد تاني.
وفي الليلة دي، بعد ما الكل مشي، نزلت أمي معايا للبدروم لأول مرة من غير ما ترتعش.
وقفت في نص المكان، وبصت حواليها، وبعدين رفعت وشها للضوء اللي داخل من الشباك.قالتلي:
“عارفة يا مريم؟ أنا مش عايزة أنسى اللي حصل.”
استغربت.“ليه يا ماما؟
”
ردت بهدوء:
“مش عشان أعيش في الوجع، لكن عشان أفتكر إن السكوت على الظلم مش دايمًا بيحمي اللي بنحبهم، وإن الخوف ساعات بيخلينا نفضل في مكان ماينفعش نفضل فيه.”
حضنتها، وطلعنا سوا.
قفلت باب البدروم، لكن المرة دي ماكانش باب سجن.
كان مجرد باب لمكان قديم، بقى جزء من حكاية اتعلمنا منها، وقررنا مانخليش نهايتها هي اللي تحدد بقية عمرنا.
وقبل ما أنام، فتحت شنطتي اللي رجعت بيها من سنغافورة.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.