وفي أول جلسة رسمية، حضر مع محاميه، وكان شكله مختلف تمامًا عن الراجل اللي كنت أعرفه.
كان أكبر في السن، ووشه مرهق، وعينيه بتتهرب من النظر ناحيتي.
لما اتسأل عن التحويلات، قال إن فيه معاملات قديمة حصلت بالاتفاق مع أبويا.
لكن لما اتواجه بنسخ من المستندات اللي بتشير إلى اختلافات في التوقيعات والتواريخ، طلب مهلة عشان يراجع أوراقه.
أما فادية، فبدأت تظهر تناقضات في أقوالها عن علاقتها بالبيت، وعن سبب وجود أمي في البدروم، وعن المستندات اللي كانت بحوزتها.
والمستأجرات التلاتة قدموا شهاداتهم، وسلموا الصور اللي كانت معاهم.
كل واحدة منهم حكت جزءًا من اللي شافته، وبعض التفاصيل اتوافقت مع رواية أمي، وبعضها احتاج مراجعة إضافية.
ماكانش الطريق سهل، ولا الحقيقة ظهرت في يوم وليلة.
لكن لأول مرة، حسيت إننا مش لوحدنا، وإن أمي بقت قادرة تحكي من غير خوف.
بعد شهر، رجعنا البيت.
ما دخلناش المكان كأننا منتصرين على حد، لكن كأننا بنرجع حقنا بعد غياب طويل.
البدروم كان أول مكان دخلته.
وقفت عند الباب، وبصيت للمرتبة القديمة اللي اتشالت، وللحيطان اللي اتدهنت، وللشباك الصغير اللي كان بيدخل منه خيط نور ضعيف.
أمي وقفت جنبي.
مسكت إيدي وقالت:
“مش عايزة المكان ده يفضل في ذاكرتي بالشكل ده.”
بصيت لها.
“نعمل إيه يا ماما؟”
قالت:
“نخليه مخزن للزرع والأدوات. عايزة كل ما أنزل هنا أفتكر إني خرجت، وإن محدش قدر يكسرني.”
حضنتها.
وبدأنا ننضف المكان، ونفتح الشبابيك، وندخل النور.
رجعت صور أبويا لمكانها في الطرقة، وحطت أمي أصص زرع جديدة في البلكونة، ورجعت تشرب الشاي كل صباح في نفس الكرسي اللي كانت بتحبه.
أما كريم، فبدأ يحضر جلسات التحقيق، وقدم المستندات اللي كانت عنده.
ما رجعش لحياتنا زي الأول، وما قدرتش أتعامل معاه كأن شيئًا لم يحدث.
لكنني ما حاولتش أنتقم منه، ولا أخفي عنه حقوقه القانونية لو ثبتت.
قلتله مرة وإحنا واقفين في جنينة البيت:
“أنا مش هقدر أرجع أثق فيك بسهولة. اللي حصل مش مجرد غلطة، ده وجع ماما وخلاني أشك في كل حاجة عشتها.”
هز راسه وقال:
“عارف.”
“ولو عايز تصلح اللي عملته، لازم تبدأ بالحقيقة كاملة، حتى لو كانت ضدك.”
قال:
“هعمل كده.”
ما وعدتوش إني هسامحه، لكنه لأول مرة ماطلبش مني أسامحه بسرعة.
أما عمي محمود، ففضلت أتعامل معاه من خلال المحامي، لحد ما تتضح مسؤولية كل طرف عن التصرفات المالية اللي حصلت.
وبعد شهور من مراجعة المستندات والتحقيقات، بدأت بعض الأمور تتحدد، واتضح إن جزءًا من الخلاف كان متعلقًا بمعاملات قديمة بينه وبين أبويا، وإن فيه تصرفات لاحقة تمت من غير ما تكون حقوق كل الأطراف واضحة أو محفوظة بالشكل المطلوب.
أما الادعاءات الخاصة بالتزوير والإكراه، فتم فحصها من الجهات المختصة، واتخذت الإجراءات القانونية المناسبة بناءً على الأدلة اللي ثبتت، مش بناءً على كلام أي حد.
فادية ماقدرتش تفضل مختفية وراء الكلام والتهديدات، واضطرت تواجه الأسئلة عن المستندات والتصرفات اللي تمت في البيت.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.