رجعنا المستشفى بعد ما سلمنا نسخة من المستندات للمحامي، ولما دخلت أوضة أمي، لقيتها صاحية ومستنياني.
أول ما شافت وشي، سألتني:
“عرفتي حاجة؟”
قعدت جنبها وقلت:
“لسه يا ماما، بس فيه حاجات كتير محتاجة تتكشف.”
مسكت إيدي بقوة، وقالت:
“مريم، لو قابلتي عمك محمود، ماتخليهوش يخدعك بكلامه.”
اتجمدت مكاني.
“إنتي تعرفي حاجة عن عمي؟”
أمي غمضت عينيها، ودموعها بدأت تنزل.
“قبل ما أبوكي يموت بأسبوع، جه البيت وكان بيتخانق معاه. أنا سمعت صوتهم عالي، وأبوكي كان بيقوله إنه مش هيسمح له ياخد حقك وحق كريم.”
حسيت إن قلبي وقف.
“حقنا في إيه يا ماما؟”
أمي هزت راسها.
“ماعرفش كل التفاصيل. أبوكي ماكانش بيحب يدخلني في مشاكل شغله، لكنه في اليوم ده قاللي جملة عمري ما نسيتها.”
قربت منها أكتر.
“قال إيه؟”
ردت بصوت مبحوح:
“قاللي: لو جرالي حاجة، خلي بالك من مريم، لأن اللي هيحصل بعدي مش هيكون بسبب غريب.”
فضلت ساكتة.
الجملة دي كانت كفاية تخلي كل ذكرياتي عن أبويا تتغير.
تاني يوم الصبح، اتصل كريم.
المرة دي رديت، وما سمحتلوش يغير الموضوع.
“إنت لازم تيجي المستشفى.”
قال:
“مريم، أنا محتاج أتكلم معاكي لوحدنا.”
“مفيش كلام لوحدنا. هتيجي وتقعد قدام المحامي، وهتشرح كل حاجة.”
سكت، وبعدين قال:
“أنا ماكنتش عايز ده يحصل.”
صرخت فيه:
“إنت كنت عارف إن ماما محبوسة؟”
ما ردش.
“كريم! كنت عارف ولا لأ؟”
سمعت صوته وهو بيعيط.
“أنا كنت فاكر إنها هتقعد معاهم كام يوم بس.”
قفلت عيني من شدة الصدمة.
“كام يوم؟ إنت كنت عارف إنها مش في بيتها، وعارف إن فيه ناس بتتصرف في البيت، وسبتها؟”
قال بصوت مكسور:
“أنا غلطت.”
“غلطت؟ دي أمنا يا كريم!”
بدأ يشرح، لكني طلبت منه ييجي المستشفى، وقلتله إن أي تفاصيل تخص الواقعة لازم تتقال بوضوح ومن غير ضغط على حد.
وصل بعد ساعتين.
كان شكله مرهق، ووشه شاحب، ولما دخل أوضة أمي، وقف عند الباب ومقدرش يقرب.
أمي بصتله طويلًا.
“تعالى يا كريم.”
قرب منها، وركع جنب السرير، وبدأ يعيط.
“سامحيني يا أمي.”
أمي ما ردتش.
فضلت تبصله، وبعدين قالت:
“إنت كنت عارف إني تحت الأرض، وكنت بتنام في سريرك؟”
كريم حط إيده على وشه.
“ماكنتش عارف إنهم هيحبسوكي بالشكل ده.”
“لكن كنت عارف إنهم أخدوا البيت مني.”
سكت.
“وكنت عارف إنهم منعوني أكلم أختك.”
بدأ يهز راسه، والدموع بتنزل على وشه.
“أيوه.”
أمي لفت وشها بعيد عنه.
“قوم يا كريم.”
رفع راسه بصدمة.
“يا أمي، اسمعيني.”
قالت بحزم رغم ضعف صوتها:
“أنا سمعتك كتير، وصدقتك كتير، وخفت عليك كتير. لكن دلوقتي أنا تعبانة، ومش قادرة أسمع أي تبرير.”
كريم قام، وبصلي كأنه مستني مني أساعده.
لكن أنا ماقدرتش.
خرجنا من الأوضة، وقعدنا في طرقة المستشفى.
سألته:
“عايزة أعرف كل حاجة من الأول.”
فضل ساكت شوية، وبعدها بدأ يحكي.
بعد وفاة أبويا، كريم كان عنده ديون بسبب مشروع صغير فشل فيه. في البداية، حاول يخبي الموضوع عني وعن أمي، لكنه اقترض فلوس من أكتر من شخص، ولما عجز عن السداد، لجأ لعمي محمود.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.