في البداية افتكرت إن الموضوع متعلق بالأقساط، لكن الراجل قال جملة خلت الدم ينسحب من وشي.
“حضرتك مدام نادية صاحبة البيت؟ لأن البيت متأجر من فترة، وفيه خلافات بين المستأجرين وصاحبة العقد.”
صرخت فيه:
“متأجر إزاي؟ البيت ده بتاع أمي، وهي عايشة فيه!”
سكت لحظة، وبعدين قال:
“أنا مش عارف التفاصيل، بس العقد اللي معانا باسم واحدة اسمها فادية عبدالسلام، وبتقول إنها المسؤولة عن المكان.”
قفلت المكالمة وأنا مش قادرة أستوعب.
فادية؟
مين فادية دي؟
اتصلت بأمي عشر مرات، مفيش رد.
بعتلها رسائل، مفيش رد.
حاولت أكلم الجيران اللي كنت أعرفهم، لكن أرقامهم القديمة كانت اتغيرت.
في الليلة دي ما نمتش.
قعدت أراجع كل ورقة تخص البيت، وأدور في بريدي الإلكتروني على نسخ العقود والتحويلات البنكية، لحد ما لقيت حاجة أغرب.
قبل سفري بشهر، كانت أمي بعتتلي رسالة بتطلب مني أبعت صورة بطاقتي وصورة من عقد البيت، وقالت إنها محتاجاهم عشان إجراء روتيني خاص بالمرافق.
وقتها بعتلها كل حاجة من غير تفكير.
دلوقتي، وأنا براجع الرسالة، حسيت إن فيه حاجة غلط.
اتصلت بالشركة وطلبت إجازة طارئة، لكن ماكنتش عايزة أرجع باسمي الحقيقي، على الأقل لحد ما أفهم إيه اللي بيحصل.
كنت خايفة إن حد يعرف إني راجعة، فيختفي أو يغير كل حاجة قبل ما أوصل.
بمساعدة محامية مصرية كانت الشركة بتتعامل معاها، رتبت أوراق سفر بديلة لاستخدامها في ظروف معينة، لكن ماكانش ده معناه إني أقدر أستخدم هوية مزيفة قانونيًا. ومع ذلك، وسط ارتباكي وخوفي، وصلت القاهرة وأنا مصممة أعرف الحقيقة مهما كانت.
أول ما خرجت من المطار، استنشقت هوا القاهرة اللي كنت مفتقداه، وركبت عربية أجرة لحد المنطقة اللي فيها بيت أمي.
طول الطريق كنت ببص من الشباك، وكل شارع بيعدي قدامي كان بيفكرني بأيام كنت فيها بنت عادية، كل أحلامها إنها تشوف أمها مبسوطة.
وصلت الشارع قبل المغرب بشوية.
البيت كان موجود، نفس السور الأبيض، نفس البوابة الحديد، ونفس الشجرة الصغيرة اللي زرعتها مع أمي يوم ما استلمنا المفتاح.
لكن أول حاجة لاحظتها كانت عربية غريبة واقفة قدام البوابة، وبعدها شفت ست كبيرة خارجة من البيت وهي بتزعق في واحدة تانية.
نزلت من العربية، ودفعت الأجرة، ووقفت قدام البوابة.
خبطت.
فتحتلي ست في أواخر الأربعينات، لابسة إسدال غامق، وشعرها مربوط بإهمال، وعينيها فيها نظرة تحدي واضحة.
بصتلي من فوق لتحت وقالت:
“أيوه؟ عايزة مين؟”
ابتسمت بهدوء وقلت:
“مساء الخير، أنا بدور على مدام نادية. هي عايشة هنا؟”
اتغيرت ملامح الست لحظة، لكنها رجعت تماسكت بسرعة.
“نادية مين؟”
طلعت موبايلي، وفتحت صورة أمي.
“دي أمي، اسمها نادية منصور. آخر عنوان أعرفه ليها هو البيت ده.”
بصت للصورة، وبعدين بصتلي.
ضحكت ضحكة قصيرة وقالت:
“آه، الست دي؟”
قلبي بدأ يدق بعنف.
“أيوه، هي فين؟”
ردت ببرود:
“حطيتها في البدروم.”
حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.